بقلم: نغم زهير صايغ
ليست كل قصص الحب تنتهي كما بدأت. فبين لحظة الدهشة الأولى ونهاية الحكاية مسافة طويلة من المشاعر والوعود والأحلام. هناك، في تلك المسافة، يتغير الكثير: تخفت اللهفة، وتثقل الكلمات، ويصبح الصمت أبلغ من أي اعتراف. هذه الحكاية ليست عن الفراق فقط، بل عن التحولات الخفية التي تصيب القلوب عندما ينتقل الحب من وهج البدايات إلى عمق الغياب.
في البدايات لا تكون الكلمات مجرد أحرف تُقال، بل موسيقى خفية تعزف على أوتار الروح. هناك، في اللحظات الأولى، يصبح الحب دهشةً نقية، واللقاء عيداً صغيراً ينتظره القلب بشغف، ويغدو الصمت بين حبيبين لغةً خاصة لا يفهمها سوى من عرف معنى القرب الحقيقي.. كانت البداية تشبه استيقاظ الربيع في قلب الشتاء؛ نظرة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تجعل العالم يبدو أكثر دفئاً وأماناً. في تلك اللحظات، كان كل شيء يبدو ممكناً، وكأن الحياة تفتح أبوابها على اتساعها أمام قلبين يكتشفان بعضهما للمرة الأولى. . في البدايات أيضاً، كانت الساعات تمر كالثواني حين يجتمع الحبيبان، وكانت الرسائل القصيرة المكتوبة بخجل تحمل في طياتها عالماً كاملاً من المشاعر. كلمة واحدة كانت تكفي لإشعال الفرح، وابتسامة صغيرة كانت قادرة على تغيير مزاج يومٍ كامل.
كنا نرى في الآخر صورة الكمال الذي نفتقده في أنفسنا، وكانت العيوب مجرد تفاصيل إنسانية جميلة تزيد القرب ولا تنقصه. كان الحب آنذاك بسيطاً وعميقاً في آن واحد، يشبه وعداً خفياً بأن الطريق مهما طال سيبقى جميلاً. لكن الحياة لا تبقى دائماً على حالها. فالحب، كما يقولون، لا يموت غالباً، بل يتغير. أحياناً تتحول النار التي كانت تمنحنا الدفء إلى حريق يلتهم الذكريات الجميلة، وتتحول اللهفة إلى عتابٍ متكرر، والكلمات الرقيقة إلى صمتٍ ثقيل. وأصعب ما في الحب ليس الفراق ذاته، بل تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى الشخص الذي كان يمثل لك العالم كله، فتجده غريباً يسكن في ملامح تعرفها جيداً. عندها تبدأ المسافات بالتشكل في القلب قبل أن تظهر في الواقع.. تتغير البدايات حين لا يقفز القلب فرحاً عند سماع اسم الآخر، وحين يتحول العتاب إلى روتين يومي يطفئ ما تبقى من الدفء. أحياناً تصبح العلاقة جرحاً ملتهباً؛ كلما حاولنا لمسه بقصد المداواة ازداد الألم، فنكتشف أننا لم نعد نبحث عن الحب بقدر ما نبحث عن النجاة بأنفسنا.
وعندما تنتهي الحكايات، تبقى البدايات وحدها معلقة في الذاكرة كصور قديمة ملونة، بينما يبدو الحاضر باهتاً بلا ملامح. بين “مرحباً” الأولى و”وداعاً” الأخيرة مسافة طويلة من الوعود التي لم تكتمل، والأحلام التي تكسرت على صخرة الواقع.
نحن لا نحزن لأننا افترقنا فحسب، بل لأن تلك النسخة الجميلة منا، التي وُلدت في البدايات، اختفت مع الرحيل.
في النهاية، البدايات يمنحها القدر للجميع، لكن الاستمرار هدية لا ينالها إلا الصادقون. أما الذين يرحلون، فيتركون خلفهم وجعاً يشبه ألم الجروح القديمة؛ يهدأ مع الوقت، لكنه يعود كلما هبت رياح الذكرى.
جريدة الاضواء الالكترونية
