الرئيسية / آراء حرة / بين العادة والمصير

بين العادة والمصير

كتبت :نجوان حكمت

ليست :  الحياة ذلك الطريق الطويل الذي يتغير عند منعطفٍ واحد، ولا هي سلسلة من الأحداث العظيمة التي تُولد فجأة فتقلب المصائر بين ليلة وضحاها. إن ما يغيّر الإنسان في الحقيقة أكثر هدوءًا من أن تلتقطه العيون، وأكثر تواضعًا من أن تحتفي به الصحف، وأكثر خفاءً من أن يلتفت إليه الناس. إنّه ذلك الفعل الصغير الذي يتكرر كل يوم، حتى يغدو جزءًا من الروح، ثم يتحول مع مرور الزمن إلى هويةٍ كاملة لا تكاد تنفصل عن صاحبها. كثيرًا ما ننظر إلى الناجحين فنظن أنهم امتلكوا سرًا خفيًا لم يُمنح لغيرهم، أو أن الحياة اختارتهم دون سواهم، بينما الحقيقة أكثر بساطة وأكثر عمقًا في آنٍ واحد. فما يبدو اليوم نجاحًا استثنائيًا، لم يكن في بدايته سوى عادةٍ متواضعة، وقرارٍ صغير، وخطوةٍ لا تكاد تُرى. غير أن الأيام، وهي أكثر صبرًا من الإنسان، تعرف كيف تمنح الأشياء الصغيرة قيمتها الحقيقية، فتجعل من التكرار قوة، ومن الاستمرار معجزة، ومن العادة مصيرًا.ولأن الإنسان بطبيعته مولعٌ بالنتائج، فإنه ينسى الأسباب. يرى الشجرة شامخة، ولا يرى البذرة التي صبرت في ظلمة التراب. يعجب بالبحر، ولا يتأمل ملايين القطرات التي صنعته. يندهش من الجبل، وينسى أن الزمن نحت صخوره على مهلٍ لا تدركه الأعمار القصيرة. وهكذا يفعل مع نفسه؛ يريد أن يرى الثمرة قبل أن يعتني بالجذور، وأن يحصد قبل أن يزرع، وأن يصل قبل أن يتعلم فن السير.ومن هنا تبدأ المأساة الأولى في حياة كثير من الناس؛ إذ يقيسون أحلامهم بضخامة النتائج، ولا يقيسونها بصِغَر الخطوات. فإذا لم يتغير واقعهم في أيام معدودة، ظنوا أن الطريق خاطئ، مع أن الطريق لم يكن يحتاج إلا إلى مزيدٍ من الصبر. إن الإنسان لا يهزم نفسه عندما يفشل، وإنما يهزمها عندما يطالب البذرة أن تُثمر قبل أوانها. والعادة في جوهرها ليست فعلًا ميكانيكيًا يتكرر دون معنى، بل هي علاقةٌ صامتة بين الإنسان والزمن. ففي كل مرة يكرر فيها فعلًا معينًا، يمنح الزمن مادةً جديدة يبني بها شخصيته. وكل يوم يظنه نسخةً من سابقه، يحمل في داخله تغييرًا دقيقًا لا يُرى، تمامًا كما لا يرى المرء حركة عقارب الساعة، لكنه يدرك بعد حين أن العمر قد مضى. إن أخطر ما في العادات أنها لا تعلن عن حضورها. فهي لا تدخل حياة الإنسان بضجيج، ولا تستأذنه قبل أن تغيّره، وإنما تتسلل إليه في صورة أفعالٍ بسيطة؛ دقائق من القراءة، أو دقائق من اللهو، كلمة طيبة أو كلمة جارحة، استيقاظ مبكر أو نوم متأخر، وعدٌ يفي به أو وعدٌ يؤجله. وكل تلك التفاصيل التي تبدو عابرة، تجتمع بصمت حتى تُنشئ إنسانًا جديدًا، قد لا يشبه من كانه

شاهد أيضاً

دعتني الناشطة الرائعة عدوية البياتي للمشاركة في المهرجان الفني والثقافي في اربيل

حاورها / عبدالمنعم الديراوي لم أكن اعرفها ولا حتى اسمع باسمها سابقا حتى دعتني الناشطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.