الرئيسية / أخبار محلية / حين تتحوّل القرارات الإدارية إلى أزمة دستورية في الجامعات العراقية

حين تتحوّل القرارات الإدارية إلى أزمة دستورية في الجامعات العراقية

الأضواء / فاتن العيسى

في مشهدٍ يتكرّر كلما ضاقت الخيارات أمام السلطة التنفيذية، وجد الموظفون أنفسهم مرة أخرى في مواجهة قرارات مالية تمسّ جوهر حقوقهم الوظيفية، بعدما صدر قرار يقضي بحجب المخصصات المالية التي كفلتها القوانين النافذة. قرارٌ لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل تحوّل سريعًا إلى قضية دستورية وقانونية، فجّر موجة احتجاجات واسعة في جامعة البصرة وامتدت أصداؤه إلى جامعات العراق كافة.
الاحتجاجات التي انطلقت في أروقة الجامعات لم تكن خروجًا على القانون، بل جاءت في إطار الاحتجاج السلمي المشروع الذي كفله الدستور العراقي، حيث أعلن الموظفون استمرار الاعتصام والإضراب العام، تعبيرًا عن رفضهم لما وصفوه بمحاولة المساس بحقوق مالية مكتسبة لا يجوز تعطيلها أو الانتقاص منها بقرارات إدارية.
من الناحية القانونية، يثير القرار الصادر عن مجلس الوزراء أو المجلس الاقتصادي إشكاليات دستورية خطيرة، إذ إن حجب المخصصات المالية المقررة للموظفين بموجب قوانين نافذة يمثل تجاوزًا واضحًا لصلاحيات السلطة التنفيذية، التي لا تملك وفق الدستور سلطة تعطيل أو تقييد حقوق مالية أقرّتها السلطة التشريعية. فمبدأ الفصل بين السلطات، الذي يُعدّ أحد ركائز النظام الدستوري، لا يسمح للسلطة التنفيذية بتعديل أو تعليق آثار القوانين النافذة خارج الآليات الدستورية المحددة.
ولا يقف الأمر عند حدود المخالفة القانونية، بل يتجاوزها إلى خرق صريح لمبدأ المشروعية وسيادة القانون، إذ إن استمرار العمل بقرارات تتعارض مع نصوص دستورية وتشريعية نافذة يفتح الباب أمام تكريس عرف إداري وسياسي منحرف، يُهدّد الحقوق المكتسبة، ويُضعف الثقة بمؤسسات الدولة، ويقوّض الاستقرار الوظيفي الذي يشكّل أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي.
لقد سبق التحذير مرارًا من خطورة تجاهل النصوص القانونية والتغاضي عن المخالفات الدستورية، غير أن استمرار صمت الجهات الرقابية الدستورية إزاء هذه الإجراءات أسهم في ترسيخ واقعٍ خطير، يُعاد فيه تعريف الحقوق الوظيفية وفق منطق الضرورة المالية، لا وفق قواعد القانون والدستور.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو تحميل الموظف تبعات السياسات المالية غير الرشيدة إخلالًا صارخًا بمبدأ العدالة الاجتماعية، إذ لا يمكن قانونًا ولا أخلاقيًا أن يتحوّل الموظف إلى الحلقة الأضعف التي تُحمَّل كلفة الإخفاق الإداري وسوء التخطيط المالي، فيما تبقى جذور الأزمة بعيدة عن المساءلة الحقيقية.
إن ما يجري اليوم في الجامعات العراقية ليس مجرد احتجاج على استقطاع مالي، بل هو صراع على مفهوم الدولة نفسها: دولة القانون والمؤسسات، أم دولة القرارات الطارئة التي تتجاوز الدستور عند أول اختبار مالي. وبين هذين الخيارين، يقف الموظفون في الصف الأول للدفاع عن حقوقهم، مؤكدين أن الحقوق التي كفلها الدستور لا تُمنح بقرار، ولا تُسحب بقرار.

شاهد أيضاً

اتحولات المعرفة المعاصرة بين الساعة الرقمية وازمة القرارة بمناسبة يوم القراءة العالمي يحتضن شارع الفراهيدي ندوة ثقاف

الأضواء / وليد العبودي تحت شعار ( اتحولات المعرفة المعاصرة بين الساعة الرقمية وازمة القرارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.