كتب : د. نزار گزالي، أربيل
مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية في EPU
يمتلك العراق واقليم كوردستان تاريخاً حافللاً بالأحداث المأساوية والحروب، وكثيراً ما يتردد على ألسنة البالغين في مجتمعنا أنهم اكتسبوا نوعاً من “المناعة النفسية” تجاه الأزمات المتكررة. لكن الحقيقة النفسية تشير إلى أن الصدمات لا تمر مرور الكرام؛ فكل تجربة قاسية تترك أثرا في النفس، وقد يبقى هذا الأثر لسنوات طويلة، وأحيانا يمتد طوال العمر.
الأحداث الأخيرة في المنطقة، الناتجة عن التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انعكست بشكل مباشر على عدد من دول المنطقة، وعلى رأسها العراق وإقليم كوردستان. استخدام الطائرات المسيّرة واستهداف بعض المدن العراقية، خصوصا أربيل والسليمانية، خلق حالة من القلق والخوف لدى كثير من المواطنين.
ومن خلال عملي كأخصائي نفسي في أربيل، لاحظت خلال اليومين الماضيين زيادة واضحة في عدد المراجعين للعيادات النفسية، وكان عدد غير قليل من هذه الحالات مرتبطاً بأطفال ظهرت لديهم أعراض صدمة نفسية نتيجة أصوات الطائرات المسيّرة والانفجارات التي سُمعت أثناء محاولات استهداف مدينة أربيل. كما تلقيت أيضاً عدة اتصالات من أصدقاء وأقارب يسألون عن الطريقة المناسبة للتعامل مع الأطفال في مثل هذه الظروف. فمثل هذه التجارب، حتى وإن بدت عابرة بالنسبة للكبار، قد تكون شديدة التأثير في نفسية الطفل، وقد تترك آثارا نفسية تحتاج إلى فهم ودعم واحتواء.
في ظل الحروب والأزمات الكبرى، يبقى الأطفال الحلقة الأضعف. فهم يتعرضون لآثار نفسية واجتماعية قد تلازمهم مدى الحياة إذا لم يتلقوا الدعم المناسب. لذلك فإن توفير بيئة آمنة وداعمة للأطفال في مثل هذه الظروف يعد عاملاً أساسياً لحمايتهم من الانهيار النفسي وتعزيز قدرتهم على التكيف.
الصدق مع الأطفال… ولكن بطريقة تطمئنهم
الخطوة الأولى في التعامل مع قلق الأطفال هي الإجابة الصصادقة عن أسئلتهم. فالصدق مع الطفل يظل قاعدة أساسية، لكن من المهم أن يُقدَّم بطريقة تناسب عمره وقدرته على الفهم.
بدلاً من إخفاء الحقيقة أو مشاركة تفاصيل مخيفة قد تربكه، يمكن استخدام عبارات بسيطة تبعث الطمأنينة، مثل:
“هناك صراع يحدث، لكننا سنفعل كل ما بوسعنا لنكون بخير”.
وإذا استدعى الأمر تغيير مكان النوم أو الابتعاد عن النوافذ أو الانتقال مؤقتًا إلى مكان آخر، يمكن شرح ذلك ببساطة بقول:
“نحن نحب أن نبقى قريبين من بعضنا، لذلك قررنا أن نغيّر المكان قليلًا ونختار غرفة أكثر أماناً”.
مثل هذا الأسلوب يساعد الطفل على استيعاب الموقف تدريجياً دون أن يسيطر عليه الخوف أو الذعر. وفي الوقت نفسه، فإن إخفاء الحقيقة بالكامل قد يهز ثقة الطفل بالكبار أو يزيد من ارتباكه.
تقليل التعرض الإعلامي المرهق
في أوقات الأزمات، يصبح الإعلام مصدرا متكررا للصور القاسية والأصوات المزعجة؛ صور الدمار، وأصوات الانفجارات، وصفارات الإسعاف أثناء البث المباشر. التعرض المتكرر لهذه المشاهد يزيد من حدة القلق لدى الأطفال.
لذلك من المهم الحد من تعرضهم للمشاهد العنيفة أو الصور المروعة، وإبعادهم عن الضجيج الإعلامي قدر الإمكان. وبدلاً من ذلك، يمكن استثمار الوقت في أنشطة أسرية إيجابية مثل القراءة، أو اللعب المشترك، أو مشاركة قصص حياتية تحمل رسائل الأمل والتعاون.
هدوء الكبار يصنع طمأنينة الصغار
الأطفال يراقبون ردود أفعال الكبار باستمرار، وغالبا ما يستمدون شعورهم بالأمان من الطريقة التي يتصرف بها الآباء. لذلك فإن المبالغة في القلق أو تضخيم الأحداث أمام الأطفال قد يزيد من شعورهم بالخوف.
حتى مع إعلان تعطيل المدارس في بعض مناطق إقليم كوردستان، من المهم تقديم الأمر للأطفال على أنه فرصة للراحة والاسترخاء وليس كمؤشر على الخطر. محاولة الحفاظ على قدر من الروتين اليومي تمنح الأطفال إحساسا بالاستقرار، مثل قراءة قصة قبل النوم أو تخصيص وقت ثابت للعب.
كما أن إعطاء الطفل بعض الخيارات الصغيرة — مثل اختيار القصة أو تحديد لعبة المساء — يعزز شعوره بالسيطرة في وقت يشعر فيه بأن كثيراً من الأمور خارجة عن إرادته.
إشراك الأطفال لتقليل الشعور بالعجز
من المفيد أيضا إشراك الأطفال في بعض الأدوار المنزلية البسيطة التي تناسب أعمارهم، مثل ترتيب ألعابهم أو المساعدة في مهام صغيرة داخل المنزل. هذه الأنشطة تساعدهم على الشعور بالمشاركة وتخفف من الإحساس بالعجز.
كما يمكن تعليمهم بعض تمارين التنفس العميق التي تساعد على تهدئة الجسد وتقليل التوتر والقلق.
الشاشة ليست بديلاً عن الأمان النفسي
ورغم صعوبة الظروف الحالية وتعطّل المدارس، قد يلجأ بعض الأهالي إلى ترك الأطفال لساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية كوسيلة لإلهائهم أو تهدئتهم. لكن الإفراط في استخدام اللوح الإلكتروني والهواتف والألعاب الرقمية ليس حلاً مناسباً، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن التفاعل الإنساني الحقيقي.
فالإدمان على الشاشات يرتبط بعدة آثار سلبية على الأطفال، منها زيادة التوتر والقلق، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، إضافة إلى العزلة الاجتماعية.
لذلك من المهم تشجيع الأطفال على بدائل أكثر صحة وتوازنا، مثل القيام بزيارات عائلية بسيطة تعزز شعورهم بالانتماء والأمان، وإتاحة الفرصة لهم للاختلاط بالأطفال الآخرين، وممارسة بعض الأنشطة اليدوية كالرسم أو الأعمال الفنية، إلى جانب ممارسة الرياضة أو الألعاب الحركية داخل المنزل أو في الأماكن الآمنة. مثل هذه الأنشطة لا تساعد فقط على ملء وقت الفراغ، بل تساهم أيضا في تفريغ التوتر وتعزيز الصحة النفسية للأطفال في أوقات الأزمات.
الحضن… أبسط وأقوى دعم نفسي
وسط كل هذه الوسائل، يبقى الحضن أحد أهم أشكال الدعم النفسي للأطفال. فعندما يشعر الطفل بالخوف، فإن حضن الوالدين لا يمثل مجرد تعبير عن الحب، بل هو رسالة نفسية وجسدية عميقة بالأمان.
تشير الدراسات النفسية إلى أن الاتصال الجسدي الدافئ، مثل الحضن، يساعد على خفض مستويات التوتر في الجسم ويعزز شعور الطفل بالأمان والانتماء. في لحظات القلق، قد يكون حضن الأم أو الأب أكثر تأثيرا من كثير من الكلمات.
في عالم يشعر فيه الطفل بأن الخارج غير آمن، يصبح حضن الوالدين مساحة أمان حقيقية يعود إليها الطفل ليهدأ ويستعيد توازنه النفسي.
الاثار النفسية إذا لم يتم التعامل معها
تشير الدراسات إلى أن عدم التعامل الصحيح مع الأطفال خلال فترات الحروب والأزمات قد يترك آثارا نفسية طويلة المدى. فالتعرض المتكرر للصدمات قد يؤدي إلى القلق المستمر، أو ظهور سلوكيات انسحابية أو عدوانية، إضافة إلى أعراض جسدية مرتبطة بالتوتر مثل الصداع وآلام الصدر.
وتشير بعض التقديرات إلى أن واحدا من كل ثلاثة أطفال في مناطق النزاعات قد يعاني من اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطراب ما بعد الصدمة، مما يجعل الدعم النفسي للأطفال ضرورة أساسية لمساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة واستعادة الشعور بالأمان.
في النهاية، قد لا يستطيع الآباء تغيير ما يحدث في العالم من حولهم، لكنهم قادرون على خلق مساحة آمنة داخل البيت. كلمة مطمئنة، لحظة لعب مشتركة، روتين بسيط، أو حضن دافئ… كلها أمور قد تبدو صغيرة، لكنها كبيرة في أثرها النفسي.
فحين يسود القلق خارج الجدران، يبقى البيت الآمن هو الحصن الأول لنفس الطفل.
جريدة الاضواء الالكترونية
