الأضواء / أربيل / أمجاد ناصر
لم يكن عام 2019 عاماً عادياً في تاريخ إقليم كردستان. فمع تسلم التشكيلة الوزارية التاسعة برئاسة مسرور بارزاني مسؤولياتها، كانت التوقعات كبيرة بإطلاق مرحلة جديدة من الإصلاح والتنمية. لكن تلك التوقعات اصطدمت سريعاً بسلسلة من الأزمات المتلاحقة التي وضعت الحكومة أمام اختبارات غير مسبوقة.
فبعد أشهر قليلة من تشكيل الحكومة، اجتاحت جائحة كورونا العالم، لتشل الاقتصاد العالمي، وتغلق الحدود، وتتراجع حركة التجارة والاستثمار، بالتزامن مع انهيار أسعار النفط إلى مستويات تاريخية، وهو ما انعكس مباشرة على اقتصاد الإقليم الذي يعتمد بصورة رئيسية على الإيرادات النفطية.
ولم تكد الحكومة تتجاوز تداعيات الجائحة حتى دخلت في أزمة جديدة مع بغداد بشأن تصدير النفط والمستحقات المالية، أعقبها توقف تصدير نفط الإقليم وتحويل ملف التصدير إلى الحكومة الاتحادية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإيرادات، وتعقيد ملف الموازنة، وتأخر صرف رواتب الموظفين، في واحدة من أصعب الأزمات المالية التي شهدها الإقليم.
في الوقت نفسه، بقيت الملفات العالقة مع الحكومة الاتحادية دون حلول نهائية، بينما تعرض قطاع النفط والطاقة لسلسلة من الهجمات التي استهدفت حقولاً ومنشآت نفطية، ما دفع عدداً من الشركات الأجنبية إلى تقليص أعمالها أو مغادرة الإقليم، وأثار تساؤلات حول مستقبل الاستثمار في قطاع يمثل العمود الفقري لاقتصاد كردستان.
ولم تقتصر التحديات على الخارج، إذ واجهت الحكومة خلافات سياسية داخلية، سواء مع شريكها الرئيس في الائتلاف الحاكم أو مع قوى المعارضة، التي انتقدت أداء السلطة التنفيذية واتهمتها بعدم معالجة الملفات الاقتصادية والخدمية بالسرعة المطلوبة، في حين كثفت وسائل إعلام معارضة من انتقاداتها لسياسات الحكومة.
من الأزمة إلى مشروع الإصلاح
ورغم تلك الظروف، اختارت الحكومة، وفق روايتها الرسمية، المضي في تنفيذ برنامجها الإصلاحي، مع التركيز على بناء البنية التحتية، وتحديث الإدارة الحكومية، وتنويع مصادر الدخل، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات. وتشير البيانات الصادرة عن دائرة الإعلام والمعلومات في رئاسة مجلس الوزراء إلى أن الحكومة اعتمدت رؤية استراتيجية تقوم على الاستثمار طويل الأمد، باعتبار أن الأزمات لا ينبغي أن توقف مشاريع التنمية.
وتظهر الأرقام أن الحكومة نفذت 1271 مشروعاً للطرق الخارجية بطول يقارب 5940 كيلومتراً، إلى جانب آلاف مشاريع البلديات والمياه والصرف الصحي والجسور داخل المدن، باستثمارات بلغت عدة تريليونات من الدنانير، في محاولة لتعزيز البنية التحتية وربط المدن والمناطق النائية ودعم النشاط الاقتصادي.
وفي قطاع المياه، الذي أصبح أحد أكثر الملفات حساسية مع تصاعد آثار التغير المناخي، أنجزت الحكومة تسعة سدود، وعشرات البرك المائية، ومشاريع كبيرة لمياه الشرب والصرف الصحي، بهدف تعزيز الأمن المائي وتقليل آثار الجفاف.
الكهرباء… من الأزمة إلى مشروع “روناهي”
ظل ملف الكهرباء لعقود أحد أبرز التحديات التي واجهت حكومات الإقليم، إلا أن التشكيلة التاسعة وضعت هذا الملف في صدارة أولوياتها.
وتقول البيانات الرسمية إن إنتاج الكهرباء ارتفع من 2360 ميغاواط عام 2019 إلى 4334 ميغاواط عام 2026، بالتزامن مع إنشاء محطات جديدة وإطلاق مشروع “روناهي”، الذي يستهدف توفير الكهرباء على مدار 24 ساعة، والاستغناء تدريجياً عن آلاف المولدات الأهلية، مع تقليل كلفة الطاقة على المواطنين والحد من التلوث البيئي.
إصلاح الدولة من الداخل
وربما كان أكثر ما يميز تجربة التشكيلة التاسعة هو تركيزها على الإصلاح الإداري والرقمي، إذ لم تقتصر خطتها على إنشاء المشاريع، بل امتدت إلى إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية.
فقد أطلقت مشروع “حسابي”، الذي وفر أكثر من 950 ألف حساب مصرفي للموظفين، واعتمد نظام الدفع الإلكتروني، وأعاد تدقيق مئات آلاف الملفات الوظيفية، واسترد جزءاً من الديون الحكومية، في إطار خطة تهدف إلى تعزيز الشفافية والرقابة المالية والحد من الهدر.
كما أطلقت الحكومة أكثر من 29 منصة رقمية شملت الهوية الإلكترونية، والخدمات الحكومية، والرواتب، والجمارك، وإدارة الوثائق، والتوظيف، في خطوة تعكس توجهاً نحو التحول الرقمي وتقليل الإجراءات الورقية والروتين الإداري.
هل نجح الاقتصاد في تجاوز النفط؟
ورغم الضغوط الاقتصادية، تؤكد البيانات الرسمية تسجيل 778 مشروعاً استثمارياً بقيمة تقارب 22.7 مليار دولار، توزعت على قطاعات الإسكان، والصناعة، والسياحة، والزراعة، والتعليم، والصحة.
كما تشير البيانات إلى ارتفاع الاستثمار الزراعي، وتصدير منتجات محلية إلى الأسواق العراقية والخليجية، في إطار مساعٍ لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات.
وفي سوق العمل، تتحدث الحكومة عن توفير أكثر من 150 ألف فرصة عمل عبر المشاريع الاستثمارية، إضافة إلى آلاف الوظائف في القطاع الصناعي، وبرامج دعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال، فضلاً عن توسيع الضمان الاجتماعي وحقوق العمال.
بين الرواية الرسمية والواقع
لكن قراءة هذه الأرقام تفتح باباً لتساؤلات أوسع: هل انعكست هذه المشاريع على مستوى معيشة المواطنين؟ وهل استطاعت الإصلاحات تخفيف آثار الأزمة المالية؟ وهل نجحت الحكومة في بناء اقتصاد أقل اعتماداً على النفط؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تعتمد على البيانات الحكومية وحدها، بل تتطلب مقارنة بين المؤشرات الرسمية والواقع الاقتصادي والاجتماعي، فضلاً عن آراء الخبراء والمختصين والمواطنين.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن التشكيلة الوزارية التاسعة نفذت برنامجاً إصلاحياً واسعاً رغم ظروف استثنائية، ترى أطراف سياسية معارضة أن استمرار الخلافات مع بغداد، وأزمة الرواتب، وهجرة بعض الشركات، يشير إلى أن العديد من الملفات ما زالت بحاجة إلى حلول مستدامة.
الخلاصة
تكشف تجربة التشكيلة الوزارية التاسعة عن معادلة معقدة؛ فمن جهة، تعرضت الحكومة لضغوط صحية واقتصادية وسياسية وأمنية غير مسبوقة، ومن جهة أخرى، تشير بياناتها الرسمية إلى تنفيذ آلاف المشاريع وإطلاق إصلاحات هيكلية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والإدارة الرقمية والاستثمار.
ويبقى التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو قياس الأثر الفعلي لهذه المشاريع على حياة المواطنين، ومدى قدرتها على بناء اقتصاد أكثر استقراراً، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وإنهاء الملفات العالقة مع بغداد، بما يضمن استدامة التنمية في إقليم كردستان.
جريدة الاضواء الالكترونية
