الأضواء / بقلم أحمد كاظم
رئيس الاستثمار في مجموعة كي
وصلت إلى مؤتمر Money20/20 Europe في أمستردام وأنا أتوقع أن أقضي عدة أيام في الحديث عن المدفوعات.
لكنني غادرت وأنا أفكر في العراق.
وأنا أتجول بين أروقة المؤتمر، محاطاً بمؤسسي الشركات والبنوك والمستثمرين وقادة التكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم، أصبح أمر واحد واضحاً بسرعة: لم تعد المدفوعات هي الجزء الأكثر إثارة في النقاش.
النقاش الحقيقي كان يدور حول ما الذي يمكن أن تتيحه المدفوعات.
كان يدور حول الذكاء الاصطناعي الذي يفهم احتياجات الزبائن قبل أن يعبّروا عنها، وحول الخدمات المالية التي تندمج بشكل طبيعي داخل التجارة والنقل والحياة اليومية، وحول الهوية الرقمية والتمويل المدمج والمنصات المتصلة التي تتيح للناس الانتقال بسلاسة بين الدفع والشراء والتعلّم والسفر وممارسة الأعمال.
المستقبل الذي كان يُناقش في أمستردام لم يكن مبنياً حول بطاقة أو تطبيق واحد.
كان مبنياً حول منظومة متكاملة.
وكلما استمعت أكثر، ازداد اقتناعي بأن هذه ليست قصة أوروبية أو أمريكية أو آسيوية فقط.
إنها أيضاً قصة العراق.
وقد يبدو ذلك مفاجئاً للبعض.
فالعراق لا يكون عادة أول بلد يخطر في البال عند الحديث عن التكنولوجيا المالية أو الذكاء الاصطناعي أو المنظومات الرقمية المتكاملة. وغالباً ما ينظر العالم إلى العراق من زاوية تحدياته السابقة، لا من زاوية إمكاناته المستقبلية.
لكننا، نحن الذين نعمل داخل العراق، نرى صورة مختلفة.
نرى مجتمعاً شاباً متعطشاً لاستخدام التكنولوجيا. نرى رواد أعمال يبنون مشاريعهم عبر هواتفهم. نرى تجاراً يريدون وصولاً أسهل إلى الزبائن والأسواق. نرى مؤسسات حكومية تبحث عن وسائل أكثر كفاءة وشفافية لخدمة المواطنين. وقبل كل ذلك، نرى ملايين العراقيين المستعدين لاستخدام خدمات رقمية تجعل حياتهم أسهل.
العراق لا يفتقر إلى الطموح.
ما يحتاجه هو البنية التحتية التي تسمح لهذا الطموح بأن يتحرك.
من عملية دفع إلى فرصة جديدة
قد تبدو عملية الدفع الرقمي تصرفاً بسيطاً: مواطن يمرر بطاقة، أو يمسح رمز استجابة سريع، أو يؤكد معاملة من هاتفه.
لكن خلف هذه اللحظة يقف شيء أهم بكثير.
متقاعد يستلم راتبه من دون أن يقطع مسافات طويلة أو ينتظر في طابور مزدحم. تاجر صغير يصل إلى زبائن خارج حدود منطقته. موظف شاب يستطيع التسوق والادخار والاقتراض والسفر باستقلالية أكبر. ومؤسسة حكومية تحصل على وسيلة أوضح وأكثر قابلية للمساءلة لتوزيع الأموال وتقديم الخدمات.
قد لا تستغرق المعاملة سوى ثوانٍ، لكن الفرصة التي تخلقها قد تمتد لسنوات.
لهذا تأسست كي من الأساس: لإزالة الحواجز بين الناس والخدمات التي يعتمدون عليها.
ومع مرور الوقت، تعلمنا درساً مهماً: حل مشكلة الدفع وحده لا يكفي.
بعد تمكين شخص من استلام أمواله رقمياً، يصبح السؤال التالي: ماذا يستطيع أن يفعل بهذه الأموال؟
هل يستطيع الدفع بأمان؟
هل يستطيع الادخار؟
هل يستطيع الحصول على تمويل مسؤول؟
هل يستطيع الشراء من مشروع محلي؟
هل يستطيع ذلك المشروع الوصول إلى أسواق جديدة؟
هل يمكن أن تصبح خدمات الحكومة والتعليم والتجارة والنقل أسهل وصولاً؟
كل إجابة كانت تكشف عن حاجز آخر. وكل حاجز كان سبباً لبناء شيء جديد.
هكذا انتقلت رحلة كي من البطاقات والمدفوعات إلى منظومة تكنولوجية أوسع تشمل الخدمات المالية والذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية والتعليم والإعلام والخدمات اللوجستية والألعاب ورقمنة الخدمات الحكومية.
هذه ليست مشاريع متباعدة جُمعت تحت اسم شركة واحدة.
إنها أجزاء مترابطة من قصة واحدة.
قصة هدفها أن تجعل الحياة اليومية في العراق أسهل وأكثر ترابطاً وغنى بالفرص.
قد تكون نقطة البداية هي ميزة العراق
تركّز جانب كبير من النقاش في Money20/20 على كيفية تحديث المؤسسات الراسخة لأنظمة بُنيت قبل عقود.
العراق يواجه تحدياً مختلفاً، لكنه قد يمتلك أيضاً ميزة مختلفة.
ولأن الكثير من الأنظمة التقليدية ما زال في طور التطور، فإن العراق لا يحتاج دائماً إلى المرور بجميع المراحل التي مرت بها دول أخرى. ففي بعض المجالات، يمكنه الانتقال مباشرة إلى نماذج أحدث وأكثر ترابطاً.
فالتاجر الذي لم يحصل سابقاً على خدمة مصرفية كافية لا يحتاج بالضرورة إلى تجربة مصرفية تعود إلى الأمس. يمكنه أن ينتقل مباشرة إلى قبول المدفوعات عبر الهاتف، ورمز الاستجابة السريع، والتمويل الرقمي، والتجارة الإلكترونية.
ولا ينبغي للمواطن أن يزور عدة دوائر، ويحمل ملفات ورقية، ويكرر البيانات نفسها في كل مرة للحصول على خدمات مختلفة. فمع البنية التحتية المناسبة، يمكن للهوية والدفع والخدمات العامة أن تصبح جزءاً من رحلة رقمية واحدة وآمنة.
ولا ينبغي لرائد أعمال شاب أن يغادر العراق حتى يشارك في الاقتصاد العالمي. يمكن للتجارة الرقمية والخدمات اللوجستية والمدفوعات والامتثال أن تعمل معاً لتفتح طريقاً يبدأ بفكرة محلية وينتهي بزبون دولي.
هذه هي الفرصة المتاحة أمام العراق.
ليست فقط رقمنة الإجراءات القديمة، بل إعادة تصميمها حول الإنسان.
ما الذي بنته كي، وما الذي لا تزال تبنيه؟
تخدم مجموعة كي اليوم نحو 22 مليون حساب، وأصدرت أكثر من 25 مليون بطاقة كي، وتربط أكثر من 160 ألف تاجر في مختلف أنحاء العراق.
هذه الأرقام مهمة، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في الناس الذين يقفون خلفها.
فخلف كل حساب شخص يحاول أن يستلم أمواله أو ينفقها أو يديرها بشكل أسهل. وخلف كل تاجر عائلة ومصدر رزق وطموح للنمو. وخلف كل خدمة رقمية فرصة لاستبدال الانتظار والورق وعدم الوضوح بالسرعة والشفافية والثقة.
وقد منحنا هذا الحجم أساساً لبناء ما هو أكبر من شبكة مدفوعات.
نحن نطوّر منظومة تتصل فيها الخدمات المالية بصورة طبيعية مع التجارة والتعليم والخدمات اللوجستية والخدمات الحكومية. ونستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز مكافحة الاحتيال والامتثال وتجربة الزبائن وكفاءة اتخاذ القرار. ونعمل مع شركاء محليين ودوليين لجلب الخبرات العالمية إلى العراق وتكييف كل حل مع واقع السوق العراقي.
هدفنا ليس إضافة التكنولوجيا لمجرد أنها رائجة.
بل استخدامها لإزالة التعقيد من حياة الناس.
فالاقتصاد الرقمي الناجح ليس الاقتصاد الذي يمتلك أكبر عدد من التطبيقات، بل الاقتصاد الذي لا يضطر فيه المواطن إلى التفكير في التكنولوجيا، لأن كل شيء يعمل ببساطة.
التكنولوجيا تحتاج إلى الثقة
كان من المستحيل تجاهل الحماس المحيط بالذكاء الاصطناعي والمنظومات المتصلة في Money20/20.
لكن كانت هناك رسالة أخرى واضحة أيضاً: الابتكار لا يمكن أن ينمو من دون ثقة.
ولكي ينجح التحول الرقمي في العراق، يجب أن تكون كل خدمة جديدة مدعومة بحوكمة قوية، وأمن سيبراني، وحماية للبيانات، وامتثال تنظيمي.
سيتبنى الناس الخدمات الرقمية حين يثقون بأن أموالهم آمنة، وبياناتهم محمية، والمؤسسات التي تقف خلف هذه الخدمات مسؤولة عن أعمالها.
الثقة ليست طبقة نضيفها بعد الابتكار.
الثقة هي البنية التحتية التي يُبنى عليها الابتكار.
وتزداد أهمية ذلك كلما أصبحت الخدمات أكثر ترابطاً. فكلما ازدادت قوة المنظومة، ازدادت المسؤولية عن حماية كل شخص وكل مشروع يعمل داخلها.
قصة مختلفة عن العراق
لعل أهم فرصة أمامنا ليست تكنولوجية على الإطلاق.
إنها فرصة رواية قصة مختلفة عن العراق.
لطالما تمحورت الأحاديث الدولية عن العراق حول عدم الاستقرار والتعقيد والمخاطر. لا يمكن تجاهل هذه الحقائق، لكنها ليست الصورة كاملة.
هناك عراق آخر.
عراق من المطورين الشباب، ورواد الأعمال الطموحين، والشركات المتنامية، والمواطنين الذين يتبنون التكنولوجيا المفيدة بسرعة لافتة. عراق بدأ فيه القطاع الخاص يلعب دوراً أكبر في صياغة التنمية الاقتصادية. عراق قادر ليس فقط على استهلاك التكنولوجيا العالمية، بل على بناء حلول مصممة لشعبه، وربما للمنطقة بأكملها لاحقاً.
هذا هو العراق الذي حملته معي وأنا أتجول في أروقة Money20/20 Europe.
وهو العراق الذي نأمل أن يراه المزيد من قادة التكنولوجيا والمستثمرين والشركاء الدوليين.
من أمستردام إلى بغداد
عدت من أمستردام وأنا أكثر ثقة بأن المستقبل الرقمي للعراق ليس طموحاً بعيداً.
جزء كبير من أساسه موجود بالفعل.
المواطنون مستعدون. رواد الأعمال مستعدون. الحاجة إلى خدمات أفضل لا يمكن تجاهلها. وشركات مثل كي أمضت سنوات في بناء الحجم والعلاقات والبنية التحتية اللازمة لدفع البلد إلى الأمام.
ستعتمد المرحلة المقبلة على التعاون: بين القطاعين الخاص والحكومي، وبين الشركات العراقية والشركاء الدوليين، وبين الابتكار والتنظيم.
كانت المدفوعات بداية قصة كي.
لكن قيمة عملية الدفع لا تكمن فقط في انتقال المال. قيمتها الحقيقية تكمن في أن شخصاً ما أصبح قادراً على أن يتقدم خطوة إلى الأمام.
هذا ما نبنيه للعراق: منظومة تزيل فيها التكنولوجيا الحواجز، وتصبح الخدمات طبيعية وسهلة، وتجد الشركات فرصاً جديدة، ويحصل المواطنون على قدر أكبر من الحرية في إدارة حياتهم اليومية.
في أمستردام، كان مجتمع التكنولوجيا المالية العالمي يناقش اقتصادات المستقبل المتصلة.
أما في العراق، فقد بدأنا بالفعل ببناء واحد منها.
مجموعة كي — ما وراء المدفوعات
جريدة الاضواء الالكترونية
