الرئيسية / آراء حرة / جنوبيات… الحاجة القابلة رفعــــــه خريبش جازع الحجاج

جنوبيات… الحاجة القابلة رفعــــــه خريبش جازع الحجاج

كتب/ أسعد شهاب اللامي

الجنوبية رفعه خريبش جازع الحجاج، ولدت في قضاء المْدَيْنَة- عشيرة النصيري- منطقة الشروق بتاريخ1 / 7 /1940 ، نشأت وترعرت في بيت والدها في منطقة الشروق غرب النصيري، حيث عاشت مع أسرتها؛ والدها ووالدتها (بلدة نعمة آل جوال) و أخوتها المرحوم الوجيه الحاج عودة خريبش، و المرحوم الوجيه عذاب خريبش، والشهيد محمد سعيد خريبش ( أُعدم من قبل النظام السابق) وأخواتها الثلاثة لتتكون عائلتها من(تسعة أفراد)، مارست مهنة الزراعة مع عائلتها، وتدبير المنزل مع أمها وأخواتها. وفي صباها و رغم صغر سنّها تزوجت من الوجيه الحاج عبد الرسول حُسين السبتي (1928-2018) زواج الصداق( كَصة بكَصة) حيث تزوج شقيقها الوجيه عذاب خريبش (نجمة بنت حُسين السبتي)؛ وأجزم أنَّ (خالدية سعيد آل جوال) زوجة الوجيه حسون آل شلال النصيري لعبت دوراً مهماً في هذا الزواج لصلة القرابة بين النساء من جهة أمها. وللحديث عن الوجيه الحاج عبد الرسول حُسين السبتي النصيري كما ذكر لي ولده القاص لقمان السبتي بقوله:” عندما بلغ والدي صباه تعلم في الكتاتيب القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم، كان من القلة القليلة من الرجال الذين يجيدون القراءة والكتابة؛ فيعمد إليه الناس لكتابة أو قراءة الرسائل لهم – يسميها عامة الناس المكاتيب- ” ويردف قائلاً:” دأبَ على قراءة القرآن الكريم لأكثر من ستين سنة كاملة دون أنَّ يفارقه المصحف لولا سطوة المرض وتداعيات الجسد”. ويسترسل في حديثه قائلاً:” كان يعمل بالزراعة في مناطق متفرقة من أهوار قضاء المْدَيْنَة مثل أمّ السباح ، والسّورة، والعّبارة أما زراعة النخيل ورعايته وتكثيره فكانت تشكل طقساً من طقوس حياته اليومية” . ويضيف قائلاً: ” خدم في الجيش العراقي في نهاية الحكم الملكي في العراق، وبداية الحكم الجمهوري القاسمي، كان محباً جداً لشخصية الزعيم عبد الكريم قاسم حيث خدم في مبنى وزارة الدفاع حيث مستقر الزعيم عبد الكريم قاسم”. بعد تهيئة مراسيم الزواج البسيطة حملت أثاث غرفتها كمّا هو المعتاد( مسخنة من النحاس- شرابة ماء-، مخدات محشوة بالقطن أو الصوف أو ريش الطيور، طست من النحاس، إبريق ماء من النحاس، غسال من النحاس، قطع من الملابس، أفرشة من البساط أو السجاد، مخشلات ذهبية من والدتها…) شرعت العائلتان بمراسيم الزواج في نفس اليوم بعد تهيئة وجبة عشاء حضرها وجهاء القوم من الطرفين حيث انطلقت المشاحيف وهي تسلك الأنهر التي تحفها غابات النخيل للوصول لبيت كل منهما أحدهما في غرب العشيرة والأخر يقع في منتصفها. انتقلت العروسة إلى بيت الزوجية الجديد حيث تقع مساكنهم اليوم ضمن فخذ آل سبتي، لتستقر في ذلك البيت المبنية غرفهُ كما هو معروف من القصب والبردي، والطين فيما بعد، لتتحمل أعباء البيت من التنظيف وإعداد الطعام وغيرها حيث كانت تساعد أهل زوجها في جني التمور في موسم قصاص النخيل، والزراعة وتربية الحيوانات، بينما كان زوجها إضافة إلى الزراعة يصطاد الأسماك مع رفيقي دربه من العشيرة الوجهين كل من فيصل حميد آل شلال وغانم لازم هندال آل عبيد، انجبت سبعة أولاد ذكور، و أربعة بنات، وأثنان قد توفيا بسبب أنتشار الأمراض وقلة الخدمات الصحية. يذكر أبنها الأكبر الوجيه عقيل عبد الرسول ( تولد عام 1956) بقوله:” كانت والدتي رحمها الله تكد وتتعب في الزراعة وتربية الحيوانات منذ أنّ انتقلت إلى بيت زوجها حيث كانت العائلة كبيرة، إضافة إلى والديّ وجدي الحاج حُسين آل سبتي وجدتي (نجيبة وني آل سبتي) وأشقاء والدي الثلاثة وشقيقته”. ويضيف قائلاً:” انتقل والدي وعائلته عام 1975 إلى الأهوار بعد شراء قطعة أرض(كَاع زراعية) من الوجيه عبد الحُسين آل مطر وكانت قريبة من مدرسة معن بن زائدة الابتدائية، لممارسة مهنة الزراعة هناك، إضافة إلى الصيد وتربية الحيوانات كالأبقار، وقد زرعنا أرضنا بمختلف المحاصيل الزراعية منها الباميا، اللوبياء، الطماطة، البطيخ والرقي وغيرها، فهناك من يقطع الحشائش ومن يحمّل (إبلام) الطماطة . أما في النصيري في قضاء المْدَيْنَة فكان الاهتمام بالنخيل وجني الثمار في الصيف يدر علينا خيراً وفيراً. كما عمل والدي مع صديقه الوجيه المرحوم فيصل حميد شياع آل شلال في بناء الصرائف والمضائف وقد برعا في هذا المجال، فعند دكَ- وضع أول شَّبَّة-عمود القصب المقوس- للمضيف يفزع أهل المنطقة للمشاركة في بناء المضيف، كانت النخوة أجمل سمات مجتمعنا أنذاك. وعند الانتهاء من البناء يتم دعوة السلف لوجبة طعام وسط الهوسات ( الأهازيج) ويكرمون والدي والمرحوم فيصل بأجور رمزية زهيدة، وهكذا استمرت حياتنا في الأهوار” ويضيف مسترسلاً بحديثه عن حياة الأهوار:” عشنا في الأهوار مع أهلنا كانوا يسمون منطقتنا بالنصيري رغم وجود أسر ليسوا من النصيري، كان الاحترام والمحبة والثقة والتعاون هي الصفات السائدة في مجتمع الأهوار الريفي، لا أتذكر يوماً أنَّ أحدهم قد تشاجر مع أخر مشاجرة عنيفة وأنّ حصلت يسرع الخيرين للمصالحة دون أتساعها. كانت المضائف مشرعة للجميع، مجالس العزاء الحُسيني، يحضرها الصغير والكبير، كل شخص يعرف مكانه المخصص للجلوس. في مناسبات الأعراس، يهب أهل المنطقة للمشاركة في تلك المناسبة، رجالاً ونساءً، كنت أنا والأخ العزيز عودة جاسم النصيري نتولى مهمة الطبخ بالمناسبات، كانت الأعراس تستمر سبعة أيام، ذبح الأبقار والأغنام وطبخ وهوسات وإطلاق نار في الهواء مبتهجين بتلك المناسبة، غناء ورقص ريفي، هناك من ينقر على الطبل – أما الطبلة الفخارية المصنوعة من جلد الحيوانات؛ أو بواسطة علبة(تنكة) دهن فارغة-، وعند منتصف الليل تطبخ النساء الطعام والخير متوفر، ليقدم إلى الرجال الذين سهروا حتى الفجر ليقضوا أيامهم في المضيف، لم نشهد حالة سرقة واحدة، رغم أنَّ أغلب البيوت في تلك المناسبات شبه خالية أو أساءة لنساء المنطقة فهن عرضنا وشرفنا “. إما كيف أصبحت الحاجة رفعه قابلة (داية) توليد نساء، وممن تعلمت، نحن نعرف أنَّ القابلة مهنة سومرية قديمة متوارثة وهي المرأة التي تمتهن توليد النساء الحوامل، وكانت القابلة تحتل موقعاً مهماً في مجتمعنا وعملها لا يشمل فقط التوليد، بل يشمل رعاية المرآة أثناء فترة الحمل وحتى الولادة من خلال فحص دوري تقوم به، فهي طبيبة العائلة، كانت لدى بعضهن فراسة في تحديد جنس الجنين من خلال نظرة ثاقبة لبطن الحامل، ولديهن معرفة تامة بحساب أشهر الحامل حتى موعد الولادة. بحسب ما روت الحاجة القابلة رفعه خريبش إلى أولادها :” أنَّ القابلة العلوية(عفيفة الشرع) هي معلمتهن الأولى حيث كانت هي والقابلة (جزية حمادي زوجة المهوال الشعبي عبد الجبار يسر) يرافقنّها عند أيّ حالة ولادة في العشيرة أو المناطق الأخرى لمساعدتها وقد تعلمت منّها أصول المهنة حتى أجادتها واستمرت بها وقد أصبحت شبه طبيبة المنطقة، كانت تزور بيوت المنطقة للكشف على النساء الحوامل وحتى النساء المريضات لتقديم الرعاية والمساعدة للنساء الحوامل أثناء الولادة وما بعدها، تكفلت بتوليد الكثير من نساء أهوار أمّ السباح والترابة واللطلاطية وغيرها إضافة إلى نساء النصيري وباقي مناطق قضاء المْدَيْنَة. وقد وفقت بين تدبير البيت والعائلة الكبيرة وتربية الحيوانات والزراعة وجني المحاصيل وهي أعمال شاقة جداً وليست سهلة، وبين مهنتها (توليد النساء) كـ(داية- قابلة)؛ لم تطلب يوماً أجوراً مقابل جهودها وإنمّا تكتفي بما يعطى لها من قبل العائلة التي ملأت حياتها سعادة بمولود جديد يضاف إلى عائلتهم وبالتأكيد تختلف قيمة الأجر بين ولادة طفل ذكراً عن الطفلة الأنثى كما هو المعتاد في العرف الاجتماعي العراقي . ولا ننسى خطورة الموقف وبعد المراكز الصحية أو امتناع العوائل عن الذهاب إليها مثل مركز أبو الصلابيخ في الأهوار. يضيف أبنها الأصغر القاص لقمان السبتي بقوله:” كانت أُمي الحاجة رفعة الحِجَّاج هي القابلة المأذونة، طبياً، في عشيرتنا و ربما العشائر المجاورة الأخرى، رفقة سيّدة فاضلة (جَـــزِّيَّة). كانت تَحضر دورات طبية مكثفة في مستشفى المـْـــدَيْنَة العام بين فترة وأخرى. و في بعض المرات، يقيم الصليب الأحمر تلك الدورات الهامة جداً، خاصة في ظل الحصار الاقتصادي المفروض على العراق، يزودونها بالمعدات الطبية اللازمة، و الكتيبات الطبية المصورة ، الكتب التي كانت تثير فينا حياءً كبيراً. كانت أُمي تحضر تلك الدورات بدقة متناهية، و شغف كبير، و تتعهدها بقدسية منقطعة النظير، دون أنّ تفوت منّها دقيقة واحدة. كانت تستعد منذ بواكير الفجر فتهيء عدتها المكونة من حقيبة صغيرة، مصنوعة من قماش القطيفة ذات اللون الكُحلي، مع الأدوات الأساسية كالمقصات و الشفرات و مواد التعقيم. لم يكن معها قلم و لا دفتر لتدوين الملحوظات؛ فهي لا تقرأ و لا تكتب، و لكنها تقدر على أنّ تفتح أبواب الحياة لمواليد جدد لعل فيهم من سيقرأ و يكتب ذات يوم!. كانت أُمي ذكية و ماهرة إذ يصعب أنّ تتعسر على يدها ولادة واحدة أو أنْ تشعر بالعجز حيالها؛ فكانت تتمتع بقدرة مهولة، تبعث على الحيرة، على احتمال مزاج الحامل المُعذَّبة بآلام المخاض التي قد تطول و قد تقصر، خصوصاً ذات الولادة الأولى. كانت تقضي ليالي متتابعة إلى أنّ تضع الحامل مولودها. و رغم أنَّ عملها الشاق ينطوي على مسؤوليات كبيرة، و خطيرة بذات الوقت، إلاَّ أنّها لا تطالب بأجور مالية عالية، و لا تحدد قيمته مهما كان التعب الذي بذلته، بل تترك الأمر إلى ما تجود به يد الناس، و لا تمانع أو تعترض مهما كان المبلغ زهيداً؛ فهي تجمع تلك الأموال لتسافر إلى المراقد المقدَّسة في النجف و كربلاء و بغداد و سامراء. أما أبي فلم يكن يمانع في عملها ذلك أبداً، ولا يبدي أي امتعاض؛ فهو يعتبره عملاً ربانياً طاهراً يباركه الله و ملائكته، و لا يمكن الاعتراض عليه أو المساس به، إذ من سيكون للناس لو توقفت هي عن أداء مهمتها الإنسانية الكبرى؟ بكل تأكيد ستكون هناك مشكلة كبيرة و سيضطر الناس للذهاب إلى المستشفى فيما لو تخلت أُمي عن مسؤوليتها هذه! و الغريب في الأمر أنّّ الناس يثقون بأُمي أكثر من أي مستشفى أو طبيب! يقولون بأنَّ يد أُمي مباركة، و أنّهم لا يأتمنون غيرها بأي حال من الأحوال. ربما كانت الناس يخشون المستشفى نتيجة لتعودهم على القابلة المأذونة، و سير الولادة بيسر من ناحية، و طلباً للستر لدوافع دينية و اجتماعية و عُرفية، فهم لا يعرفون من سيشرف على عملية الولادة ذكراً كان أم أنثى، من ناحية أخرى! “. يذكر الوجيه عقيل عبد الرسول موقفاً إنسانياً لها بقوله :” عندما توفيت زوجة صديق زوجها الوجيه غانم لازم هندال آل عبيد وتركت خلفها طفلة صغيرة ملفوفة بقطعة قماش كما يقال دم ولحم- أو لحم وعظم-، تكفلت والدتي برضاعتها ورعايتها لمدة سنيتن تقريباً مع اطفالها لذلك مازال أولادها يخاطبوني بخالي “. استطاعت بكفاحها مع زوجها تزويج أولادها السبعة وبناتها. وأنَّ تقود بيت العائلة التي كبرت يوماً بعد يوم. رحلوا من الأهوار قبل عام 1988 بعد بيع الأرض الزراعية هناك وشراء أرضٍ زراعية أخرى في قضاء المْدَيْنَة في البصيصية على طريق نهر صالح، والاستقرار في بيتهم في النصيري، وواصلت عملها ما بين البيت والزراعة وتوليد النساء. كمّا أنّها قوالة، نادبة، ناعية، ارتدت السواد بعد وفاة أبوها وأمها وكثيراً ما كانت تجلس مع شقيقيها الوجيهين عودة وعذاب خريبش لينعوا أبويهم وشقيقهم الشهيد محمد سعيد وابن شقيقها الشهيد شهيد عذاب الذين أعدمهما النظام السابق، وبعدها نعي فراق أثنين من أولادها الذين هاجرا خارج العراق سنة 1991 ولم يعودا إلاّ بعد سنة 2003م. ولم يحفظ لنا الأرشيف للأسف نواعيها وكلماتها. وكعادة نساء العشيرة عند وفاة أو استشهاد أي رجل في العشيرة والعشائر الأخرى ترتدي الثوب الهاشمي لتشارك النساء نواحهن و نواعيهن ومواساتهن بعد فتح ميدان النعي واللطم والاهازيج- الهوسات أو الردات – الشعبية كمّا أنّها كانت كثيراً ما تنعى أهل البيت( عليهم السلام) خاصة في مجالس النساء بأيام محرم الحرام. كثيراً ما كانت تتزاور مع نساء العشيرة وبالذات مع المرحومة (نجاة حسون آل شلال) عقيلة المرحوم الشيخ حمود النصيري شيخ عام عشائر بني لام في البصرة. ذهبت لأداء موسم الحج برفقة زوجها. بعد أنَّ كبرت بالسن تركت مهنة القابلة (توليد النساء) وانطوت في البيت، وبعد وفاة زوجها المرحوم الوجيه عبد الرسول حُسين عام 2018م. انتقلت للعيش مع أبنها الأكبر الوجيه عقيل عبد الرسول حيث يقول في هذا الصدد:” كانت تنعى أحبائها باستمرار، وكانت توصيني بأخوتي دائماً – دير بالك على أخوتك وأخواتك هم سندك – أهتم بعائلتك وليدي، كنت أودعها يومياً عند الذهاب إلى الدوام وهي ترفع أكفها بالدعاء أنّ يحفظني الله تعالى، بعدها انتكست حالتها الصحية حتى فقدت بصرها وأصيبت بمرض فقدان الذاكرة-الزهايمر-،حتى توفيت رحمها الله ورحلت إلى دار الحق بتأريخ 13/1/2025 حسب شهادة الوفاة ذي الرقم 0877214 الصادرة عن مستشفى المْدَيْنَة العام لتدفن في مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف “.

شاهد أيضاً

الأنوميا: صراع المعايير وضياع القيم

كتب : د. صلاح حمادي الحجاج لم يعد الإنسان المعاصر يعيش أزمةً ناتجة عن غياب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.