الرئيسية / آراء حرة / تصاعد حملات التضليل الرقمي وخطاب الكراهية في الفضاء الإلكتروني العراقي قراءة في المخاطر والآليات وسبل المواجهة

تصاعد حملات التضليل الرقمي وخطاب الكراهية في الفضاء الإلكتروني العراقي قراءة في المخاطر والآليات وسبل المواجهة

إعداد: د. محمد علوان العلي

يشهد الفضاء الإلكتروني العراقي خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في طبيعة التهديدات الرقمية، إذ لم تعد المخاطر تقتصر على الاختراقات الإلكترونية أو الجرائم السيبرانية التقليدية، بل امتدت إلى حملات التضليل الرقمي المنظمة التي تستهدف تشكيل الرأي العام والتأثير في اتجاهاته. ومع تزايد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي بوصفها المصدر الرئيس للأخبار لدى شريحة واسعة من المواطنين، أصبحت المعلومات المضللة وخطاب الكراهية من أبرز التحديات التي تواجه الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي في العراق.

وتشير الملاحظات التحليلية إلى أن فترات الأزمات السياسية والأمنية والمناسبات الدينية والوطنية تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في حجم المحتوى المثير للانقسام، حيث تنتشر منشورات تعتمد على الأخبار غير الموثقة أو الصور والفيديوهات المجتزأة أو الخارجة عن سياقها الزمني والمكاني، مع استخدام عبارات انفعالية تهدف إلى استثارة المشاعر أكثر من تقديم الحقائق. وغالبًا ما يؤدي هذا النوع من المحتوى إلى زيادة حالة الاستقطاب المجتمعي وإضعاف الثقة بالمعلومات الرسمية.

وتعتمد حملات التضليل الرقمي على مجموعة من الأساليب التقنية والإعلامية، من بينها إعادة نشر المحتوى بصورة متزامنة عبر عدد كبير من الصفحات والحسابات، واستخدام الحسابات الوهمية أو الآلية لتضخيم التفاعل، والاستفادة من خوارزميات المنصات الرقمية التي تمنح المحتوى المثير فرصًا أكبر للوصول والانتشار. كما يتم في بعض الحالات توظيف الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور أو مقاطع فيديو أو نصوص يصعب على المستخدم العادي التحقق من صحتها.

ومن المهم التأكيد أن تحديد حجم هذه الحملات أو نسبتها إلى جهات داخلية أو خارجية يتطلب تحقيقات تقنية وتحليلًا للأدلة الرقمية، ولا يجوز الجزم بوجود شبكات منظمة أو تحديد أعداد الصفحات أو مصادر تمويلها دون بيانات موثقة صادرة عن جهات مختصة أو دراسات فنية مستقلة.

وتكمن خطورة هذه الحملات في قدرتها على التأثير في اتجاهات الرأي العام خلال فترة زمنية قصيرة، وتعزيز خطاب الكراهية، وإثارة الانقسامات الطائفية أو القومية أو السياسية، فضلًا عن تقويض الثقة بالمؤسسات والإعلام المهني. كما يمكن أن تستغل الأحداث الأمنية أو الإنسانية لنشر الشائعات، بما ينعكس سلبًا على السلم الأهلي والأمن الوطني.

ولمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على تطوير قدرات الرصد والتحليل الرقمي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، إلى جانب توسيع برامج التوعية بالتربية الإعلامية والرقمية، بما يساعد المواطنين على التحقق من المعلومات قبل تداولها والتمييز بين الأخبار الموثوقة والمحتوى المضلل.

كما ينبغي تشجيع البحث العلمي في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل الشبكات الاجتماعية وكشف الحملات المنسقة، مع دعم منصات التحقق من المعلومات، وتعزيز سرعة وشفافية التواصل الرسمي خلال الأزمات للحد من الفراغ المعلوماتي الذي تستغله الشائعات.

إن حماية الفضاء الرقمي العراقي أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الوطني، ولم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات الإعلامية والأكاديمية وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني والمستخدمين أنفسهم. فكلما ارتفع مستوى الوعي الرقمي، تراجعت قدرة حملات التضليل على التأثير، وتعززت مناعة المجتمع في مواجهة محاولات نشر الكراهية والانقسام.

د. محمد علوان العلي
التخصص : باحث في المحاسبة الرقمية والتحول الرقمي والأمن الرقمي

شاهد أيضاً

‏الرياض وبغداد بين النار والدبلوماسية

كتب : ‏محمد النصراوي ـ العراق ‏ ‏بعد ساعات من الغارات الأمريكية السعودية المشتركة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *