الرئيسية / آراء حرة / الكورد واللااستقرار المزمن: قراءة سايكوسياسية في جرح الهوية والثقة

الكورد واللااستقرار المزمن: قراءة سايكوسياسية في جرح الهوية والثقة

بقلم : د. نزار گزالي
مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية في EPU

تُمثّل الحالة الكوردية في سورية والمنطقة نموذجاً مركّباً لما يُعرف في علم النفس السياسي بمفهوم Chronic Instability of Stateless Nations، أي اللااستقرار المزمن للجماعات عديمة الدولة. فالكورد لا يعيشون صراعاً سياسياً تقليدياً على الأرض فحسب، بل يخوضون صراعاً نفسياً عميقاً يتعلّق بالهوية والمعنى والثقة بالعالم. إنهم شعب يعيش على التخوم الدائمة بين الاعتراف والإنكار، بين الاستخدام والتخلّي، وبين الأمل والانكسار.
ينطلق هذا المقال من فرضية مركزية مفادها أن المأزق الكوردي لم يعد سياسيا فقط، بل أصبح بنيوياً في النفس الجمعية الكوردية. فالتجربة التاريخية المتكررة من الخذلان لم تترك أثرها على الخرائط وحدها، بل تسربت إلى البنية النفسية العميقة، بحيث أصبح كسر نمط التكرار التاريخي مستحيلًا من دون تدخل نفسي–سياسي واع، لا يقل أهمية عن أي مشروع سياسي أو عسكري.
في هذا السياق، تبرز Perceived Betrayal Trauma، أو صدمة التخلي المتصوَّر، كأحد المفاتيح الأساسية لفهم الحالة الكوردية في سورية. تشير أدبيات Political Trauma إلى أن المجتمعات التي تبني استراتيجياتها الوجودية على تحالفات غير متكافئة تكون أكثر عرضة لصدمة الخيانة، لا سيما عندما يكون الطرف المتخلّي قوة عظمى تُسقَط عليها آمال الحماية والاعتراف. هذا ما عاشه الكورد بوضوح خلال الحرب على داعش، حيث جرى الاعتراف بدورهم العسكري والأمني، مقابل إنكار سياسي وسيادي شبه كامل لحقوقهم.
هذا التناقض لم يمرّ بوصفه حدثاً عابراً، بل خلّف صدمة نفسية جماعية عميقة، تشوّهت معها الثقة بالمؤسسات الدولية، وتكرّس شعور بالعزلة الوجودية، ذلك الإحساس القاسي بأن الكورد لا يُرَون إلا عند الحاجة، ثم يُعاد دفعهم إلى الهامش. ومع الزمن، تحولت اليقظة السياسية إلى Hypervigilance مزمنة، تلامس أحيانًا حدود البارانويا السياسية. الخطورة هنا لا تكمن في الخذلان بحد ذاته، بل في تحوّله إلى نموذج توقّعي داخلي، إلى قناعة نفسية صامتة مفادها أن “كل تحالف سينتهي بخيانة”، وهي قناعة تتحول، نفسياً وسياسياً، إلى نبوءة ذاتية التحقق.

إلى جانب ذلك، يعيش الكورد ما يمكن تسميته بـ Kurdish Existential Paradox، المفارقة الوجودية الكوردية. فهم معترف بهم دوليًا كقوة أخلاقية وعسكرية لعبت دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب، لكنهم في الوقت نفسه مرفوضون بوصفهم فاعلًا سياسيًا مكتمل الشرعية. هذه المفارقة تنتج هوية مزدوجة قاسية: محارب شرعي من جهة، وكيان غير شرعي من جهة أخرى. إنها حالة من Moral Exploitation، حيث يُطلب من الكورد تقديم التضحيات، لكن يُنظر إلى مطالبهم السياسية بوصفها عبئًا أو تهديدًا. ومع الوقت، يولّد هذا التناقض ما يمكن تسميته بـ Meaning Fatigue، إرهاق المعنى، حين يفقد النضال وضوح غايته ويبدأ بالإحساس بالدوران في حلقة مفرغة.

في الداخل السوري، تتجسد هذه الحالة ضمن ما يمكن وصفه بسيكولوجية الضحية–المقاتل. فالكورد يحملون ذاكرة تاريخية مثقلة بالاضطهاد، وفي الوقت نفسه يعيشون تجربة حديثة من المقاومة والدفاع الذاتي. هذه الثنائية منحتهم مرونة نفسية عالية، لكنها في المقابل راكمت صدمة غير معالجة، وجعلت الهوية عرضة للتثبيت حول الألم. حين يتحول الصمود إلى هوية بحد ذاته، يصبح استنزافًا طويل الأمد بدل أن يكون قوة تحرر.

ورغم أشكال الإدارة الذاتية، ظل القرار النهائي خارجيًا، ما عمّق الإحساس بـ Loss of Control، أي فقدان الإحساس بالتحكم، وهو من أخطر العوامل المدمّرة للصحة النفسية الجمعية. هذا الشعور لا يخلق فقط قلقًا سياسيًا من الانهيار المفاجئ، بل يضرب في العمق الإحساس بالسيادة النفسية، أي القدرة على الشعور بأن المصير ليس معلقًا بالكامل بإرادة الآخرين.

ولا يمكن فصل هذه التجربة عن السياق الأوسع للانقسام الكوردي في المنطقة. فتقسيم كوردستان بين أربع دول لم ينتج فقط انقسامًا جغرافيًا، بل خلق ما يسميه علم النفس السياسي Fragmented Collective Self، أي ذاتًا جمعية مجزأة. تعددت الروايات عن الذات، وتقدمت الولاءات الحزبية والقطرية أحيانًا على الانتماء القومي، ما أضعف القدرة على الفعل التاريخي الموحد، وأدخل النفس الكوردية في حالة انقسام داخلي مزمن.

أمام هذا الثقل، طوّر المجتمع الكوردي آليات دفاع نفسية–جماعية. جرى تسييس المعاناة، وتحويل الألم إلى هوية وجودية تبرر الاستمرار، لكنها في الوقت ذاته تقيّد الخيال السياسي، وتجعل أي محاولة للخروج من دائرة المعاناة تبدو كخيانة للذاكرة. كما برزت أشكال من Small-group Narcissism، النرجسية الجماعية الصغيرة، حيث يُضخَّم الإنجاز، وتُقابل الانتقادات بحساسية مفرطة، وينشأ انغلاق نفسي مؤقت يحمي الكرامة، لكنه يعيق النضج الجماعي.

أما الكورد في الشتات، فيعيشون وجهًا آخر من الأزمة النفسية. هناك شعور دائم بـ Survivor’s Guilt، ذنب النجاة بعيدًا عن ساحات الألم، وهوية معلّقة بين اندماج غير مكتمل في المجتمعات الجديدة، وانتماء قومي بلا أفق سياسي واضح. وغالبًا ما يتحول النشاط السياسي في الشتات إلى فعل عاطفي، محكوم بالغضب والحنين، أكثر منه فعلًا استراتيجيًا طويل النفس.

وفي إقليم كوردستان العراق، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فهناك أمان نسبي على مستوى الحياة اليومية، يقابله قلق وجودي عميق على مستوى المستقبل. الخوف من تكرار سيناريوهات الخذلان يرافق الناس بصمت، فيما يعيش المجتمع حالة إرهاق سياسي وانقسام حزبي وفقدان ثقة بالنخب. الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ Normalization of Betrayal، تطبيع الخذلان، حين يتحول الشعور بأن “العالم لا يقف معنا” إلى مسلّمة نفسية، وهذا أخطر من القمع نفسه، لأنه يقتل الفعل من الداخل.

وفي السياق العراقي الأوسع، يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل يمكن قراءة ما يحدث للكورد في سورية بوصفه رسالة إنذار مبكرة للشيعة في العراق؟ رسالة تقول إن تفكك التوازنات السياسية، والتخلي عن الحلفاء التاريخيين، قد يفتح الباب لفوضى لا يمكن التحكم بمساراتها لاحقًا. فالتجربة الكوردية، بما تحمله من خذلان دولي وانكشاف أمني، قد تُقرأ شيعيًا بوصفها تذكيرًا قاسيًا بأن التحالفات العابرة للهويات الضيقة ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في نظام هشّ. ويكتسب هذا السؤال بعدًا إضافيًا مع تزامن هذه التطورات مع إعادة طرح اسم نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وهو ما يمكن تفسيره بوصفه مؤشرًا على شعور جزء من القوى الشيعية بالحاجة إلى شخصية تمتلك نفوذًا وخبرة في إدارة السلطة، في لحظة يُنظر إليها كمرحلة تهديد لا مرحلة استقرار. هنا، يصبح التساؤل مشروعًا حول ما إذا كانت هذه العودة المحتملة تعبّر عن نزوع نحو إعادة تثبيت التحالف مع الكورد كجزء من معادلة توازن داخلية، أم أنها ستُستخدم لإعادة إنتاج مركزية السلطة دون معالجة جذور الاختلال البنيوي في الدولة العراقية.

في المقابل، لا يمكن تجاهل سؤال آخر يفرض نفسه: هل تشكل التحولات الجارية في سورية، وصعود قوى ذات طابع ديني–سياسي، حافزًا لمشروع سياسي سني جديد في العراق؟ مشروع قد يجد دعمًا إقليميًا لإعادة إحياء خطاب “العصر الذهبي”، مستفيدًا من الإرهاق النفسي والسياسي الذي تعانيه بقية المكونات، ومن هشاشة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا. وإذا كان الأمر كذلك، فهل يصبح العراق الساحة التالية لهذا الصراع المفتوح على المعنى والسلطة؟

كل ذلك يقود إلى تساؤل أكثر قلقًا: هل ما نشهده اليوم هو بداية نهاية غير معروفة المعالم؟ هل نحن أمام مرحلة تتآكل فيها الدول من الداخل، قبل أن تسقط سياسيًا، بفعل صدمات نفسية–سياسية لم تُعالَج في وقتها؟ وهل يكون ما جرى في سورية مقدمة لارتدادات أوسع ستطال العراق، وربما الإقليم بأكمله؟

وأخيرًا، يبقى السؤال الأكثر مرارة وإلحاحًا: هل صحيح أن الكورد محاربون جيدون، لكنهم محكومون تاريخيًا بأن يكونوا وقود الحروب بالوكالة؟ هل ترسّخت صورتهم في المخيال الدولي بوصفهم “مقاتلين مثاليين بلا حقوق”، يُستدعون عند الخطر ويُتخلّى عنهم عند لحظة المطالبة؟ وإذا كان هذا النمط قد تكرر مرارًا، فهل المشكلة تكمن فقط في سياسات القوى الكبرى، أم أيضًا في عدم كسر الكورد، نفسيًا وسياسيًا، لهذا الدور المفروض عليهم؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بقدر ما تكشف أن ما يجري اليوم ليس شأنًا كورديًا صرفًا، بل عقدة مركزية في مستقبل المنطقة. والإجابة عنها لن تُكتب في البيانات ولا في ساحات القتال وحدها، بل في قدرة الفاعلين، كوردًا وغير كورد، على قراءة هذه اللحظة بوصفها إنذارًا نفسيًا–سياسيًا أخيرًا، لا مجرد فصل آخر في دورة العنف المعتادة.
المراجع
1. Bar-Tal, Daniel. Shared Beliefs in a Society: Social Psychological Analysis. Thousand Oaks, CA: Sage Publications, 2000.
2. Becker, David. “The Deficit of the Concept of Trauma in Political Psychology.” Peace and Conflict: Journal of Peace Psychology 10, no. 1 (2004): 1–16.
3. Kymlicka, Will. Multicultural Odysseys: Navigating the New International Politics of Diversity. Oxford: Oxford University Press, 2007.
4. Robins, Simon. Families of the Missing: A Test for Contemporary Approaches to Transitional Justice. London: Routledge, 2013.
5. Volkan, Vamik D. Bloodlines: From Ethnic Pride to Ethnic Terrorism. New York: Farrar, Straus and Giroux, 1997.
6. Wimmer, Andreas. Nation Building: Why Some Countries Come Together While Others Fall Apart. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2018.

شاهد أيضاً

المهندس جمال جعفر محمد علي آل إبراهيم (أبو مهدي المهندس)

 إعداد: د. فاروق عبد الزهرة خلف الظالمي   أولاً: البيانات الشخصية والتعليمية وُلد جمال جعفر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.