كتب : د. حيدر علي الاسدي (ناقد واكاديمي)
تمثل الملامح الدرامية في اللوحة التشكيلة القدرة الإبداعية للفنان التشكيلي على محاولة بث الحياة والحركة والانفعالات داخل عمله الفني من خلال محاولة توليد حبكة بصرية وسرد القصص الصامتة ومن خلال الظل والضوء والمسافات والفضاء المكاني والبعد الرمزي والإنساني للشخوص في اللوحة كل ذلك لتوليد تفاعل بصري يعكس حالات الصراع بين القوى المتضادة ، او من خلال محاولة إضفاء جوانب الوضوح والخطوط والكتل للتعبير عن الحالات الإنسانية المتنوعة بصورتها الانفعالية او العنفوية ، او محاولة استخدام الألوان لتصعيد الانفعالات السيكولوجية ونقلها للمتلقي من خلال تعبيرات وحركة الأجساد داخل فضاء اللوحة وأسلوب التأثيث لهذه المفردات على متن فضاء اللوحة التشكيلية، الصورة الدرامية في اللوحة التشكيلية تحضر من خلال (الصراع) بوساطة الخطوط وفاعلية اللون وديناميكية التكوينات الحركية في سرد قصة اللوحة (فكرتها الموجزة) وحتى اختيار اللون (على المستوى الفيزيائي) والتركيز على البؤر المركزية للحدث في فضاء اللوحة ، بل وتتشكل الدرامية من خلال الألوان المتناقضة التي تخلق عملية الصراع البصري ،وتوتر الكتل واختناق المسافات في اللوحة تعبر عن رمزية الاحتشاد (للقوى السلطوية) المهيمنة او محاولة تكثيف تركيز الرسام على هذه الفئة بخاصة حين الحديث عن (القضية الحسينية) وواقعة الطف التي تمثل (حماقة الأكثرية امام حكمة الأقلية) لتتحول تلك القضايا الى علامات مشهدية وهي من ابرز ملامح الصورة الدرامية في محاولة استنطاق واستجلاء القضايا الإنسانية المؤثرة من الناحية النفسية والتاريخية ،حتى ان الأسلوب الفني المعروف بـ(Chiaroscuro ) يعتمد بصورة كبيرة على التباين بين الضوء والظلام في سبيل احداث التأثير الدرامي القوي، ذلك ان اللوحة التشكيلية في متنها بنية منضبطة تشتمل على مجموعة تراكيب وعناصر متفاعلة لتشكل مرئية ايقونية في التلقي من خلال الإيحاء بالمعنى، سقت هذه المقدمة للدخول الى اعمال منتخبة من المعرض التشكيلي الذي أقيم ضمن فعاليات مهرجان ينابيع الشهادة المسرحي بدورته الثانية عشرة، وافتتح المعرض يوم الاثنين 6 تموز 2026 على قاعة المعارض في كلية الفنون الجميلة-جامعة بابل، وتم اختيار اللوحات للفنانين كل من (الفنان حسن الكيف، الفنان زيدان الكرعاوي، الفنان محمد الهلالي
، الفنان فاضل شداد، الفنان علاء اللبان، الفنان عبدالجبار الملي، الفنان حسين عليوي، الفنانة زهراء جليل) وذلك لتوافر البعد الدرامي في هذه الاعمال المشاركة من حيث الأسلوب الرمزي للون والمسافة الرمزية وحضور (الرمز) بقوة دلالية درامية في هذه الاعمال ومحاولة العديد منهم لتلاشى (التركيز) كتقنية ذلك لقيمة (المعنى الرمزي) للثورة الحسينية، ذلك ان الشخصية الرمزية في هذه الاعمال التشكيلية تجاوزت شكلها التقليدي المألوف لتتقارب من (بنية الفكرة لهذه الشخصية الرمز) لتخرج من نطاقها التاريخي الى المفهوم الانساني الاوسع، اذ جسد عدد من الفنانين من محافظة بابل وبأساليب فنية جمالية عمق الواقعة الحسينية ومآلاتها على الفرد المعاصر وبلغة بتعبيرية ،وواقعية واحيانًا من خلال التجريد للقيمة العليا لمفاهيم ورؤى الثورة الحسينية بطريقة جمالية فيها من الشحن الدرامي ما يجعل المتلقي يتفاعل مع تلك الاعمال ،اذ تتلاقى في تلك الاعمال الصورة الدرامية مع الصورة التشكيلية فمن خلال التوزيع التشكيلي البصري المحكم عزز الصورة الدرامية من حيث (الحركة) وتوظيف الصمت فلحظات الصمت والتأمل الدال للحالة السيكولوجية للشخصية كانت حاضرة وببعد درامي في تلك اللوحات وموضوعاتها على اختلافها ، وكذلك توظيف التكرار في حركية المفردة الصورية وتوظيف الاقنعة كلغة بصرية او تلاشي الملامح لتجريد الشخوص التي لا يمكن التعبير عن ملامحها بصورة بصرية مباشرة وذلك لتعميق المعنى الرمزي وجمالية الغموض والايحاء بدلًا من الفوتوغرافية المباشرة، ففي لوحة الفنان فاضل شداد ثمة ملحمية وحركية فاعلة ومنتجة في المشهد (تجمع الأكثرية/ لطعن الامام الحسين وهو على فرسه) كانت خناجر الغدر واضحة وهي تحيل الى (رسائل الغدر) قبل ان تحيل الى سيوف معركة الطف التي رفعت بوجه الحسين ، ناهيك عن التنوع بأشكال شخوص (الأكثرية/ معسكر الشر المقابل) وفي العمق تتلاشى (المشهدية العامة للصراع في ارض المعركة) اما الفنانة التشكيلية زهراء جليل ارتكزت على متن شعري للشاعر السيد جعفر الحلي (عَبَسَت وُجوهُ القَومِ خَوفَ المَوتِ ، والعبّاسُ فيهم ضاحِكٌ مُتَبَسِّمُ) وكأن هذا نصها الثيمي الذي يتحول الى صورة درامية فاعلة من خلال رمزية (القربة) و (القمر المكتمل) لقب العباس بن علي (عليهما السلام) بوصفه الضوء الذي يستدل به الحسين واهل بيته في معركة الطف اذ سعت الفنانة لدمج جمالية الخط الزخرفي التعبيري مع الخلف لخلق التباين البصري بعناصر هندسية (المثلث، الدائرة) بطريقة مفاهيمية عكست اللوحة الصراع المتضاد ما بين (الصحراء/ صحراء النفوس والسلوك) وبين (الماء رمزية العطاء والحياة) وهي محورية الصراع الدرامي بين هاتين القوتين في هذا النص المشهدي البصري، اما الفنان عبدالجبار الملي فقد تمثلت لوحته من حيث الاسلوب الفلسفي عن حالة سيكولوجية ميتافيزيقية تكمن جماليتها في اشراك المتلقي ليكون شريكًا في العمل من خلال تحليل الرموز والبحث عن النسق المضمر في محاولة الابتعاد عن المباشرة والمألوف وكسر الحدود النمطية لإشراك المتلقي في عملية التأويل والاحالة فهي الوان متصارعة ومتداخلة يبرز فيها (الأخضر، الأبيض) (الأسود) ففي تكويناتها العامة تحيل الى صورة الامام بقداسته (التي يحاول الفنان ان يعمل على تغطيتها او تلاشيها من الجانب الشكلي وحضورها على مستوى المعنى العميق) او الى الاشتباك والصراع بين القوتين المتضادتين في كربلاء ممكن قراءة واحالة هذا المشهد الى هذين المعنيين ، اما الفنان حسن الكيف فاشتملت لوحته على رمزية (السمك) (السنابل) (شخصية على هيئة شمعة) و(الكفوف) (القمر)، اذ ترتبط السنابل في الموروث التشكيلي بالوجود الانساني والنماء والعطاء، اما وجود السمك فهو يعبر عن (الحرية) او محاولة البحث عن الأمل، هي إحالة للصورة المحتدمة التي واجهها (العباس) في واقعة الطف حيث كان يمثل الامل في مشهدية جلب الماء للأطفال واهل بيت الحسين (عليهم السلام) وهو صراع من نوع خاص يتمثل بتكوين التمنعي لهذه اللوحة، اما الفنان زيدان الكرعاوي فقد قدم صورة درامية مملوءة بالانفعال والتوتر (لمجموعة من الخيول وهي تصرخ في ان واحد) ويجانبها مشهدية درامية تمثل (إحالة لحريق الخيام) فهي ردة فعل عاطفية وصرخة بوجه الفعل المشين لحرق الخيام وهي صورة درامية متحركة مشحونة بالعاطفة والمأساة،اما الفنان محمد الهلالي بنى مشهده الدرامي على فكرة بيت شعري من الموروث الحسيني (قميصك يا مسلوب ملك كل القلوب) في اشارة الى قميص الحسين بن علي (عليه السلام) وبأسلوب الكولاج اظهر الرمح وقطعة القماش “القميص الملطخ بالدم” وهي صورة احتجاجية كبيرة على الظلم والجور والعنجهية والبربرية التي تمثلت في معسكر الشر وهم يسلبون رداء الحسين بن علي الملطخ بدمائه الطاهرة الزكية، تقابل هذا الرمح كتلة دائرية (قمر/وجه الحسين) إحالة الضوء واستبدال رمزية الوجه يدل على معنى الضوء والتنوير في الفكر الحسيني (الفكرة الحسينية المنيرة لا شخص الامام الحسين) ، اما الفنان حسين عليوي فجسدت لوحته المبنى النص القائم على مقولة (انتصار الدم على السيف) وهي المقولة التي تلخص عمل الانتصار للإمام الحسين في طف كربلاء الانتصار المعنوي والرمزي لا الانتصار بالمعنى المادي الدنيوي لمفهوم الانتصار في الحروب العسكرية المعاصرة ، بحيث أظهرت اللوحة ان الدماء استطاعت ان تكسر السيوف وهي صورة تلخص معنى المقولة، اما الفنان علاء اللبان فاختار ان يجسد الصراع في الطف بطريقة صراع لوني هذا الصراع اللوني يؤدي الى تفاعل درامي بين الالوان المتناقضة والمتباينة ليمثل صورة بصرية فلسفية درامية تمثل ابهى صور الصراع المادي والصراع النفسي (خارجي، وداخلي) ليمثل ثنائية (الخير/ الحسين ومعسكره) و (الشر/ المعسكر المقابل) ويشق منتصف اللوحة الطريق الأخضر (الخير وتمظهراته الإصلاحية في خط الحسين) وصولًا الى اعلى اللوحة حيث اسم الحسين (بخط جميل) مكتنز من حيث تركيب الحروف التي تتوائم وتجريدية اللوحة ، كل هذه اللوحات تشتمل على حركية واضحة في الفعل الدرامي لأنها تمثل مشهدية تاريخية سطرت أروع الملاحم والبطولات والايثار في سبيل إرساء مفاهيم الإصلاح حتى ان كلف ذلك زهق روح الحسين واهل بيته وصحبه الاخيار وهذه الرمزية كانت المهيمن الأبرز على تلك الاعمال الفنية التي فضلت الخروج من نمطية المباشرة والتقليدية في رسم مشاهد واقعة الطف الى الأساليب التعبيرية والتجريدية لمحاكاة ذهن المتلقي وهو يفتح مغاليق هذه الرمزيات والاحالات والايماءات ويحيلها الى المعنى المراد وبالتالي الاسهام بالتفكير سوية بين (الفنان/ والمتلقي) في تعظيم العلامة القصدية الموظفة من الفنان بالعناصر البصرية التي حاولت ان تنقل الدلالات الدرامية لواقعة الطف لتشكل البعد السيمائي (الدال/ تمظهرات اللون والخطوط والتأثيث عبر فضاء اللوحة) والمدلول المعاني الفلسفية العظيمة عن واقعة الطف والتي اراد ان يوصلها لنا عدد من فناني بابل بهذا المعرض المهم والذي يمثل رسالة الفن في التعاطي مع القضية الحسينية.
لوحة الفنان (فاضل شداد)
لوحة الفنان (عبدالجبار الملي)
لوحة الفنان (حسن الكيف)
لوحة الفنان (زيدان الكرعاوي)
لوحة الفنان (محمد الهلالي)
لوحة الفنان (حسين عليوي)
لوحة الفنان ( علاء اللبان)
لوحة الفنانة (زهراء جليل)
جريدة الاضواء الالكترونية
