الرئيسية / آراء حرة / (بريق الموت)

(بريق الموت)

تأليف : حوراء إحسان

كلما كان ينتفخ بطن حياة، كانت تكبر بداخلها قطعة من الألماس الثمينة، الصافية، النقية. وكلما بقيت في أحشائها أكثر، ازداد وزنها وارتفع ثمنها، وكأنها جوهرة تتشكل في عمق الأرض، لكن داخل رحمها. في المرات الأولى والثانية، وحتى الثالثة، كان الزوجان يفرحان بما أُوتيا؛ فقد تغيّرت حياتهما للأفضل كثيراً. بعد أن كانا يعانيان من الفقر، أصبحا الآن يعيشان حياة مترفة يسودها النعيم.

في المرة الرابعة التي حملت فيها حياة، تمنت لو يكون المولود صبياً بدلاً من قطعة الألماس. أرادت أن تكون كغيرها من النساء اللواتي ينجِبن الذكور، لتفتخر وتُرضي رغبتها الدفينة. لكن كل أمنية كانت تتمناها حياة كانت تُترجم إلى قطعة ألماس، وكأن الأقدار تهديها الحياة التي أرادتها بشكل مختلف. وهكذا رزقت حياة بثلاثة صبية وابنتين، وكل منهم جاء ومعه ألماسة تلمع وكأنها انعكاس لحياتها.

وذات يوم، اكتشفت حياة أنها حامل مرة أخرى! “لا أريد أن أكمل هذا الحمل، لدي الكثير من الصبية والبنات، والكثير أيضاً من الأموال!” أخبرت زوجها وهي تمسح جبينها المتعرق.

رد الزوج بحزم ممزوج بحنان: “لا تتمني هذه المرة أي شيء. فلنكتفِ بقطعة الألماس إذن.”

أجابته بصوت متهدج: “لكنها تؤلمني في الولادة، تشق رحمي، ولم يعد باستطاعتي تحمل خدوشها.”

ولأن الزوج كان يحب حياة حباً عميقاً، جمع رحاله وذهب إلى بلدة “الأبواب”، وهي بلدة يُباع فيها كل ما يخطر أو لا يخطر على بال أحد. وبعد أيام من البحث المضني، عاد الزوج ومعه أداة غريبة الشكل، تلمع كأنها مصنوعة من ضوء القمر، وقال:

“تقول عجوز مسنة في السوق إن هذه الأداة بإمكانها إخراج ما في جوفك، لكنها قد تؤدي إلى نزيف يستمر لأيام.”

“لا يهم! المهم أن أتخلص من تلك القطعة قبل أن تكبر.”

أمسك الزوج بفخذي زوجته برفق، بينما أدخلت هي الأداة داخل رحمها. كانت تتحرك ببطء يميناً وشمالاً، وتنظر للأعلى وكأنها تبحث عن قطعة الألماس في السماء. أما الزوج، فقد أشاح بوجهه، متجنباً النظر إلى المشهد المؤلم.

“ألم تشعري بالألم؟” سألها بصوت خافت.

“قليلاً!” ردت وهي تبتلع أنفاسها المتقطعة.

وبعد برهة، أخرجت الزوجة قطعة ألماس صغيرة، لكنها كانت مفتتة بفعل الأداة. لم يكن لونها صافياً كالعادة، بل بنيّاً محمراً، كأنها قطعة من غروب الشمس المغطى بالغبار.

“هل أنتِ متأكدة أنها قطعة ألماس؟” سألها الزوج بقلق.

“نعم، أمسكها.”

وهكذا أمسك الزوج بقطع الألماس المتناثرة بيديه، لكنها كانت ملوثة بالدم، وكأنها تحمل قصة مؤلمة بين ثناياها. بدأ النزيف يتسارع، وغرق السرير بدم حياة.

“لا تهتم، سأتحسن قريباً.” حاولت طمأنته، لكن صوتها كان أضعف من أن يقنعه.

غادر الزوج المنزل على عجل للبحث عن مساعدة، بينما بقيت حياة تنادي أسماء أولادها وبناتها بصوت مبحوح. جاءوا واحداً تلو الآخر، ودون أن ينبسوا بكلمة، تمددوا بجانبها على السرير الملطخ بالدماء. حاولت أن تصرخ بهم أن يتراجعوا، أن يبتعدوا، لكنهم كانوا كالظلال التي لا تنفصل عن صاحبها.

عاد الزوج بعد أقل من ساعة، ومعه عرّافة عجوز، لكنها دخلت لتجد حياة تلفظ أنفاسها الأخيرة مع الدماء التي فاضت من السرير. ومن حولها، كان أولادها الخمسة ممددين أيضاً، ودماؤهم تنزف وكأنها شلال انبثق من نفس الجرح.

شاهد أيضاً

تاريخ مشكله المياه في البصره ـ الجزء الاول ـ

كتب أمين الوادي شكل عام ١٩٨٤ البداية الرئيسة لمشكلة مياه الاسالة في البصرة بعد معارك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.