الرئيسية / آراء حرة / التربية والتعليم في العراق

التربية والتعليم في العراق

كتب : جمال عابد فتاح ـ العراق – البصرة 

ان التربية تنشي وتعلم وتربي افراد المجتمع ليصبحوا قادرين على تنمية مجتمعهم والاسهام في حل مشكلاته ودفع عجلة الانتاج والمحافظة على موارده بما يضمن بقاء المجتمع وسط المجتمعات الاخرى ومواكبته للتقدم الحادث في العالم المعاصر , وبهذا المعنى فان التربية عملية يقاس فاعليتها بمدى تحقيقها للأهداف على المدى القريب ولأهداف المجتمع على الهدف البعيد , والتربية تتخذ من المنهج وسيلة لتحقيق اهدافها , ولما كان العالم وما يحتويه من مجتمعات في تغير وتطوير الاهداف فمن المنطقي ايضا ان تتغير وتتطور الوسائل التي تستخدم لتطوير هذه الاهداف , فالتطور والتغير الحادث في المجتمع ينبغي ان يواكب تطورا مماثلا في التربية والتعليم , وبالتالي في وسائلها ومناهجها , فالتربية والمنهج مطالبان بالتطور وفقا للتطور الحادث في المجتمع والعالم . والتعليم في العراق كان من افضل التعليم في الشرق الاوسط لما يمتلكه من ادوات ومناهج علمية حديثة واساتذة اكفاء في كل المجالات العلمية والتربوية . وقد تخرج على ايديهم الكثير من الكفاءات العلمية والادبية والسياسية والاعلامية والعسكرية والطبية والاقتصادية ..الخ , حتى انه في عام 1977 اعلنت منظمة اليونسكو ان العراق افضل تعليم في الشرق الاوسط , فقد كانت القاهرة تؤلف وبيروت تطبع وبغداد تقرا . وفي مرحلة الدراسة الابتدائية وهي المرحل الاساس التي تعلم الطالب التربية والاخلاق والسلوك الحسن وحب الانتماء للمجتمع والوطن , اضافة الى الدروس الاوليه التي كن يتلقاها الطالب لتزيد من معرفته واستيعابه , وبالنسبة لي فقد درست في مدرسة الجمهورية الابتدائية التطبيقية في البصرة ,هذه المدرسة كانت من افضل المدارس لما تمتلكه من خبرات علمية وتربوية وتعليمية كبيرة وكان الدوام فيها على مرحلتين ,المرحلة الاولى 4 دروس ثم استراحة لمدة ساعتين والمرحلة الثانية درسان ,وكنا نلبس الزي الموحد الرسمي ,وكان كل يوم في الاصطفاف الصباحي يتم تفتيش جميع الطلبة من نظافة الاظافر والملابس وحمل المنديل ( الجفية ) ,اما يوم الخميس فهو اليوم المميز حيث يتم رفع العلم من قبل فريق الكشافة وكنا نغني نشيد العلم ,وكان مدير المدرسة الاستاذ عبد الجبار الجابري والذي كان كفاءة علمية نادره لما يمتلكه من حسن الادارة , وكان بها معلمون اكفاء ولهم شهرة واسعة في البصرة والعراق الى يومنا هذا ومنهم الاستاذ الكبير طالب غالي معلم النشيد والموسيقى والاستاذ قصي البصري و محمد وهيب معلمي التربية الفنية , وكان في مدرستنا في ذلك الوقت مسرح وكان الاستاذ قصي البصري يعلمنا التمثيل ,وان التدريب على اوبريت بيادر خير والمطرقة كان يتم على ذلك المسرح , والتعليم الابتدائي هو اهم مرحلة من مراحل التعليم لان اغلب المعلمين كانوا اباءا قبل ان يكونوا معلمين لانهم يعرفون المستوى المعاشي لكل الطلبة ,واذكر في 22-2-2020 حيث كرمت منظمة البصرة للثقافة ممثلة بالأستاذ صادق العلي مجموعة من مبدعي ( مدينة الجمهورية ) ,حيث تحدث شاعرنا الكبير كاظم الحجاج عن واحد من المعلمين في مدرسة الفيصلية الابتدائية واسمه ((صاحب )) وهو معلم اللغة الانكليزية في المدرسة وكان الدرس عبارة عن وسائل ايضاح ,حيث كان الاستاذ صاحب يطلب من فراش المدرسة بان ياتي بقوري حليب وقوري شاي وصمون وبيض وجبن وزبد وكان الاستاذ صاحب يقوم بإخراج بعض الطلاب ويعطيهم الشاي والحليب والبيض والجبن والزبد مع شرح عن معاني هذه المواد الغذائية , وكان كل يوم يكرر نفس هؤلاء الطلاب وبدون تغير وفي الاخير علمنا بان هؤلاء الطلاب كانوا فقراء جدا فكان الاستاذ صاحب كل يقوم يقدم لهم الافطار مجانا لانهم لم يكونوا مفطرين في بيوتهم بسبب فقرهم وليس لدى عوائلهم المال لشراء الفطور لهم ,هذا كان حال الدراسة الابتدائية , وفي مرحلة الدراسة المتوسطة كان الأساتذة يطورون مدارك الطلبة بالإيعاز اليهم بحفظ وتحضير دروسهم وحل واجباتهم البيتية ويشجعونهم على المطالعة المستمرة , وانا كنت في متوسطة ابي تمام للبنين وكان عندنا أساتذة مبدعين ومنهم الاستاذ مزيد عبد العزيز الظاهر مدير المتوسطة الذي كان يتكلم اللغة العربية الفصحى ولا يتكلم اللغة العامية والاستاذ الدكتور حكيم الجراخ والدكتور شلتاغ الذي اصبح مدرسا في جامعة البصرة وشغل منصب محافظ البصرة لفترة سابقة وايضا الأساتذة خالد اندرية مدرس الكيمياء والاستاذ علي النصراوي مدرس الفيزياء وغيرهم ,اما مرحلة الدراسة الإعدادية فكانت الاجمل والافضل لوجود أساتذة اكفاء جدا فيها وكان تدرسيهم على مستوى عالي من الدقة والمهارة لما يمتلكوه من خبرة في التدريس , وانا درست في الاعدادية المركزية للبنين وهي من المدارس المشهورة في البصرة منذ تأسيسها عام 1925 ولحد الان ومن الأساتذة الاكفاء الذين درسوني هو الاستاذ شاكر حمودي مدرس الكيمياء والاستاذ محمد حسين العلي مدرس الفيزياء والاستاذ يعرب عبد الكريم مدرس الرياضيات والاستاذ عبد الخالق معتوق الزامل مدرس العربي والاستاذ محمد الدجيلي مدرس مادة الحيوان , وطيلة دراستي في هذه المرحلة والمراحل التي سبقتها لم تكن هناك دروس خصوصية , بل ان غلب الأساتذة كان يتوقع الاسئلة التي تأتي في امتحانات البكالوريا ,واذكر انه في العام 1976-1976 تم اعادة امتحان البكالوريا علينا بسبب سرقة الاسئلة في وقتها , فكان مدرسونا يقولون لنا لا تهتموا ولا تايسوا فانتم قد درستم كل المواد فلا باس من الامتحان مرة اخرى ,هكذا كان المدرسون يعلموننا الاخلاق والتربية والانتماء للوطن قبل تعليمنا الدروس العلمية . اما الدراسة الجامعية فكانت الاروع والاجمل حيث تعلمنا فيها الكثير من المعارف والعلوم وبالنسبة لي فانا خريج كلية الادارة والاقتصاد / جامعة البصرة / ادارة اعمال للعام 1981 ولا اريد ان اتكلم كثيرا عن هذه المرحلة الدراسية المهمة , فقط اريد ان اذكر انه في المرحلة الرابعة من الدراسة الجامعية كان يأتي لنا وفد من وزارة التخطيط ويوزعوا علينا استمارات نختار ثلاث وزارات للعمل بها بعد التخرج وهذا ما كان يسمى ( التعين المركزي ) وانا بعد تخرجي واكمال خدمتي العسكرية فقد ظهر اسمي في وزارة النفط وفعلا راجعت الوزارة واكملت معاملة تعيني في احد شركات النفط في البصرة وانا حاليا متقاعد منذ 1-1-2020 بسبب قانون التقاعد القسري الاخير والمجحف بحق كل الموظفين الذين افنوا شبابهم في خدمة بلدهم . اما بعد عام 2003 فقد تدهور التعليم بشكل ملفت للنظر والسبب طبعا يعود للطالب وعائلته اما الاستاذ سواء كان في المرحلة الابتدائية او المتوسطة او الإعدادية بل حتى الجامعية فقد كان يعطي كل خبرته واهتمامه لطلابه في سبيل تحسين مستواهم العلمي ولم يتغير أي شيء في سيرته العلمية ,وان الذي تغير هو الطالب وابتعاده عن الدراسة وانشغاله بأمور اخرى وهي البحث على مواقع التواصل الاجتماعي ومنها الفيس بوك وتويتر والماسنجر والواتساب و غيرها اضافة الى بعض الالعاب التي اخذت كل وقت الطالب وابتعاد العائلة عن متابعة ابناءهم وعدم مراقبتهم وعدم تشجبعم لهم على الدراسة كل ذلك اثر على المستوى العلمي للطالب , اضافة الى انتشار المدارس والجامعات الاهلية بكثرة حيث بدا اكثر الطلاب التسجيل في هذه المدارس والتسجيل في الجامعات الاهلية اذا لم يكن قد جلب معدل جيد يوهله للدخول في الجامعات الحكومية والاستفادة من خبرة وكفاءة اساتذتها . اتمنى ان يعود التعليم في بلدي الحبيب كما كان عليه في العام 1977 او احسن منه لكي نخدم هذا البلد الذي ولدنا وعشنا فيه لنعطيه او لنرد له جزء من الجميل الذي ما يزال في اعناقنا لحد الان.

شاهد أيضاً

الموصل تركل الظلام وتعانق الضوء والحياة

كتب : عبدالامير المجر ـ العراق  حين أخذت السيارة تهبط وترتفع في ملتويات الطريق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 − تسعة =