الرئيسية / غير مصنف / الأديب الفاشل – شكسبير و ازمة الفكرة اليهودية

الأديب الفاشل – شكسبير و ازمة الفكرة اليهودية

كتب : امجد حميد ـ العراق

 

منذ  ان خط الانسان اول حرف في الارض بيده و الى اليوم لم يجد غرضاً لوضع حرفه سوى لأجل فكرة ما او متعة ما , و  غالباً ما تكون نصوص المتعة ذا  طابع فكري ايضاً لذا ساعد ذلك في ظهورها بشكل بسيط قبل ان يخط الانسان بقلمه  اصلاً , فسمى حرف المتعة ادباً و حرف الفكرة علماً  ,  و  صار ينتج من خلالها ما يجذب الناس  لأجل هذين الغرضين و ان كان من قبل اكتشافه هذا موجوداً لكن ليس بتلك الاهمية و الاولوية , اذ ان القلم هو ما صنع الاولوية و التفضيل بعد وجوده . و على الرغم ان الافكار لم تكن  اهدافها اعلى قمة من قمة المعرفة للطالب و المعطي , الا أن الادب لم يكن هدفه من المتعة سوى من طرف الطالب في اغلب الاحيان , اما صاحب الابداع فهو يسعى  عموماً الى بقاء حرفه و صوته الى ما بعد موته من خلال الطالب سواء كانت وسيلته  حرفه المصاغ او الدلالة التي تنجبها , و لكي لا نقع في اللبس فان الادب و الفن الذي نعنيه المصوغ حرفاً لا مادة كالنحت و الرسم مثلاً لان الاخيرتين يحملان تجانساً بين الشكل و الدلالة حتى لا تعرف من سبق عينك و راته منهما , لكن  الادب المقروء و المسموع هو ما يعنينا في هذا البحث كون فكرته و دلالته  مضمرة و مستترة بين حرف العمل و غرضه , حتى تكاد تشك في ما يريده و ما لا يريده منك و الامر سيان حين يكون لأجل الخلود على حساب القارئ .

 

هذه الجزئية تظهر لنا ان ما يختلف فيه النص الفكري عن الادبي هو ان الاخير يتم كتابته وفق تصورين عكس الاول الذي يتم كتابته بتصور واحد , بل حتى لو اجبر كاتب النص الفكري ان يجعل التصور الموضوع في اوراقه يختلف عن ما في سجن رأسه فان طيات افكاره المكشوفة في حبر الاوراق تبين ما يخفيه و لو كان   خافتاً  فسيظهر ولو بعد حين . و هذان التصوران في مفهوم النقد الادبي معروف بالتصور الاول و التصور الثاني , اي صورة العالم بالنسبة للأديب و صورة العالم المرسومة في ادبه , الا ان هذا التقسيم النقدي هو موضوعي بحت ولا يمت بصلة لعلل وجود و تكوين ماهية هذين التصورين . و هذا ما جعل من السهل على من يملكون ملكة الابداع ان يتجاوزوا بساطة هذا المنطق و يجعلون رؤيتهم للعالم حتمية لكل البشر سواء في محياهم او مماتهم , معتبرين انفسهم ارباباً يكتبون نصوصاً مقدسة كي يجعلوا كل فئات القراء او المستمعين معهم مهما كانوا مختلفين او متناقضين , و هذا ما يجب ان ينتهي في العصر الجديد بعد كشفه و رؤية فساده . لذا فان التصورين العامين هما صحيحان الا انهما يعوزهما بعض الحقائق  والاضافات التي ستحد و تقلل من وجود نصوص تحمل طابعاً عرضياً ومزدوجاً لغاية ذاتية , فصورة العالم بالنسبة للأديب لا يكون جوهرها و ماهيتها بسبب ملكة الابداع دائماً بل قد تكون علل هيكلتها مبنية على زمان و مكان و حياة الكاتب , بل حتى المنهجية العقلية لدى الاديب بذاته التي من خلالها يصور ادبه و يشكله , و هذا ما يؤكد ان صورة العالم بالنسبة للأديب هي فعلاً تنبت داخل عقله و طبيعة تفكيره الا ان التربة التي تُزرع بها اتية من ما حوله , ففنسنت فان كوخ لو ولد وسط عائلة طبيعية او ارستقراطية مثلاً و لم يحصل على الكم الهائل من افراط التفكير و الاكتئاب الحاد لربما لن نجد الكثير من اللوحات التي تحمل صورته , لكننا متأكدون ان لوحات عظيمة مثل “ آكلو البطاطا” ستُرسم من خلال انامله و ان كان ابناً لنابليون . لذلك فعلينا تمييز  صورة العالم المبنية عند الاديب و صورة العالم المبنية على ما عاشه في حياته , فالملكة الابداعية يجب ان تتميز  عن الجوهر الانساني عند صاحب الملكة و هذا بحث اخر لسنا بصدده بشكل موسع و نكتفي بتوضيح ابعاده بشكل عام  .

 

اما التصور الخاص الذي نعنيه او الصورة الثانية التي يعنيها النقد الادبي فهي ايضاً ليست احادية الجانب بل تملك جوانباً متعددة يوازي تأثيرها تأثير العرض بذاته . فدائما ما كان المتلقي و الناقد يسلط الضوء على مدى ظهور و  بروز الملكة الابداعية التي يمتلكها النص اخذاً منحى موضوعي سطحي نوعا ما حول افكار النص  كونه كما اسلفنا نص قد كُتب لأجل غرض المتعة , بل انه غالباً ما يمزج بين فكرة النص و فكرة الكاتب و يعتبر ان الكاتب او الاديب لا يستطيع ان يتحرر من نصه مهما كان  النص او العمل الادبي مجرد و مستقل . وقد نتفق عموماً بالطريقة المتبعة لتحليل الصورة الخاصة او الصورة الثانية الا ان هذا الجزء من التحليل الادبي للكاتب يحمل ايضاً اوجه نقص و حجب كثيرة . ببساطة , ان النص الادبي لا يولد او يتم انشاؤه الا من ثلاث : منهجية تفكير الكاتب , زمكانيه وجوده , و غاية الكاتب ظاهرها و باطنها . فبالنسبة الى منهجية تفكير الكاتب فأنها مرتبطة بشكل وثيق بما يكتسبه الكاتب من ما حوله و الجوهر الروحي الذي يحمله في داخله , فان الكاتب يبرز ما يتأثر به و ما يعتقده بشكل اساسي في نصوصه اخذين بنظر الاعتبار الغاية الاساسية من النص , و غالبا ما تكون الغاية هي ما تسبق شكل  النص و بروز منهجيته , اخذين بنظر  الاعتبار المراحل  التي يتغير بها تفكير الكاتب , اذ ان من المتوقع  ان نرى نصوصاً تحمل غايات متناقضة لنفس الكاتب بالرغم من ان التشكيل الادبي لها متشابهة , بل ربما يكون الكاتب  يعبر عن حيرته و تيهه بموضوع ما فيبرز ذلك من خلال ملكته الابداعية كذلك .

 

ان ما نقصده بزمكانية وجود الكاتب  او الاديب هو ان الرصيد المعرفي الذي يستطيع الكاتب حصره هو ما انتجه السعي  البشري من بداية الحضارة الى لحظة الكاتب , و ان  ما يتجاوز هذه الفترة او ما نسميه كسر حاجز الزمكان هو ليس الا مساع فردية مبنية على عبقرية الاديب و منهجيته الفكرية المتبعة ايضاً , فمهما بلغ قوة النص فالمفترض انه لن يتجاوز حدود زمانه بشكل كامل مهما كان  , بهذه الطريقة نكتشف ان امثال  شكسبير و دوستويفسكي و المتنبي و غيرهم من حياديي النص الادبي قد اكتشفوا شيفرة التاريخ التي تجعل من تاريخ الامة البشرية دائرة واحدة كما يعتقدون , و من خلال هذا التحجيم يتم صياغة نص  ادبي يتمكن من المرور عبر جميع الفترات التاريخية ما بعد كتابة النص . لذلك ان الاديب حين يخطو  خطوة المنهجية الفكرية اي انه يصبح مدركاً للطريقة القويمة  و المناسبة له لصقل و تشكيل نصوصه الادبية فان ذلك  سينتج من منبعين اساسيين : مدى  اكتسابه المعرفي حسب  زمكانيته و  غاية  النص المكتوب  , و هذا ما ينقلنا  الى العامل الثالث و المهمل و هو غاية الكاتب من النص حسب اكتسابه المعرفي و زمكانية وجوده .

على هذا الاساس فان تشكيل غائية النص و غائية الكاتب تأخذ  منحى شخصي في اغلب الاحيان و  ليس منحى  فكري في النصوص الادبية , كونها نصوص غايتها الجوهرية هي المتعة و ما سواها ليس الا مضافاً لها لتستتر تحتها ,  و ما يُقصد  بالمتعة هنا هو الاسلوب الجميل و الجذاب للنص الادبي و الذي يجعله ممتعاً و جاذباً للطالب حتى و ان كانت الفكرة و الغاية بعيده تماماً عن المتعة ,  فبالرغم اننا نسعى لقراءة شعر احمد مطر مثلاً لنرى السخرية السياسية و التهكم على الفساد الا اننا و بصورة غير واعية نقرأه لان جمالية النص هي ما تدفعنا لذلك , و رغم ان الصورة السياسية المخيفة الموجودة في رواية بسيطة مثل “مزرعة الحيوان” للكاتب جورج  اورويل الا انها استطاعت ان تمرر و تناسب جميع الفئات حتى الاطفال . و هذا ما يجعل اغلب القراء و مستمعين الادب غير مدركين لحقيقة توجههم لنص ادبي  معين  ,  فانت تستطيع  ان تقرأ نفس  فكرة النص في نص فكري بحت الا انك تفضل النص الادبي ليضيف متعة و اثارة و انجذاب للفكرة اكثر من النص الفكري الجاف , لذلك فان غائية الكاتب يجب ان تكون ممزوجة بالمتعة بغض النظر عن  ماهيتها و مدى شرعيتها . لذا فان الغائية بجوهرها تكون على نوعين : غائيات فكرية و غائيات شخصية , فأما الغائية الفكرية فهي توظيف النص الادبي لأجل فكرة ما ,  شخص ما , او منهجية ما فتكون هي اساس وجود النص الادبي  و  تساميه  في  انظار و اسماع المتلقي , و هذه اكثر غائية متبعة و مستخدمه عند اي اديب لأن النص الادبي لا يستطيع ابراز المتعة فيه بدون موضوع او مجموعة مواضيع محددة و مترابطة تبرز في  النص و تكون تحت سقف المتعة , بل ان الغائيات الشخصية ايضاً لا يمكن ان تجذب المتلقي او تتحقق بدون وجود مواضيع فكرية  قد تتجدد  في  كل الازمان و يكون النص الادبي هو الذي يظهر مناحي هذا التجديد , و يطغى الانصاف النقدي و الفكري في مثل هذا النوع و ليس الحياد المنمق و المبطن , لذلك علينا ان نميز بين النصوص التي تبرز انصافاً فكرياً محدداً تبين بشكل جلي جانبه الموقفي الممزوج برايه او منهجيته المتبعة  , و بين النصوص الحيادية التي تبرز جانب حيادي عام من الكاتب و المرتبطة بشكل اساسي بالقسم الثاني و هي الغائيات الشخصية , و هذا ما اثبته كونراد  في روايته “قلب الظلام” حين اظهر الجانب العنصري و اسبابه  و دوافعه بشكل استعراضي مبدياً رايه  الشخصي في طيات نصوصه البراقة , و هذا ما نركز عليه بحثنا في قضية نصوص شكسبير و نفاقها الحيادي و التجريدي الابله , او ان نرى عدم استماتة جورج برنارد شو في مسرحيته “بجماليون” حين اظهر بصورة منصفة –وليست حيادية- قضية الطبقات الاجتماعية مختلفاً عن جميع الاشتراكيين في اظهار و ابراز هذا الجانب كونه ذا بصيرة اكبر من ان يرى امكانية حد المجتمع وفق طور واحد . اما الغائيات الشخصية هي  عكس الاولى من ناحية الغرض و الهدف حتى وان كانت تحت مسمى  غير شخصي , اي ان  الاديب يعمد على مسالة مهمة تكون شاغلة عصره او عصور ممتدة فيسرب  من خلالها ملكته الابداعية مستغلاً بذلك سذاجة الجماهير باختلافهم و تغيراتهم التاريخية الدينامية , واضعاَ  بذلك القارئ في  موضع يريده و  يناسبه و  يبحث  عنه  و ليس في موضع يوتره و يفتح دهاليز  عقله المغلقة  بل على الاقل يعطيه مبادئ تحكيم متجددة بواسطته ,  لان الهدف  الاساسي هو ارضاء القارئ لتمجيد الكاتب و  ليس لتغيير القارئ بذاته , و خير دليل حين نرى ان القارئ سيجد كل الاقتراحات متاحة له  في قضية  المرأة في مسرحية “ماكبث” حين يرى السيدة ماكبث من  زاوية  تفكيره  و من  الزاوية التي  خصصها شكسبير له , لذلك فان استخدام و استغلال الهيكلة الادبية في عرض المواضيع المعقدة و المثيرة للجدل التاريخي و المتناقضة خصوصاً هي شأن هذه الشخصيات التي خلدت اسمها من خلال مزج عرضها بدون التحكيم الصارم و التوضيح المحدد و الانصاف العلمي الواجب لأجل جعل الاجيال  الوارثة لهذه الحياة اكثر استيعاباً و فهماً لمجريات الموضوع المطروح , في الحين الذي خلق كل هذا هو عدم اظهار اسمها و جعلها تنادى باسم زوجها , ما جعلني اشك ان هوس  شكسبير بالخلود جعله يفكر باحتمالية قدوم امرأة ما في زمن ما و تجد اسمها مشابه لهذا الاسم فان حدث ذلك لما احترمته و ما خلدته من الاساس , فهوس الخلود عند تلك الشخصيات جعلهم يحسبون لكل حرف حسابه دائماً لزيادة ضمان امتدادهم  .

 

بعد هذه المقدمة المطولة نستطيع ان نطمئن بإلمام القارئ بالمنهجية التحليلية التي سنتبعها لأجل ايضاح و تفسير الاعمال الادبية , علينا الان تحديد  و تضييق مسار بحثنا الخاص بالقضية اليهودية و ماهيتها بارض الواقع و الادب الانكليزي عموماً و الشكسبيري خصوصاً , و ما لنا من الادب الشكسبيري مسرحية قد اظهرت معالم و طريقة التفكير الاوربية و مشاعرهم تجاه اليهود مثل “تاجر البندقية” التي تناولت بشكل محوري ماهية الفكرة  اليهودية في تلك الحقبة و  الحقبة التي تلتها , و لكن قبل ان نترجم بالمقاييس الحديثة التي وضعناها سلفاً النص المسرحي و اغراضه , علينا توضيح الهيئة التصورية الموضوعة على اليهود  في تلك الحقبة و اسبابها , فهذا هو الاساس الذي نحاول تكريسه في هذه البحث و الذي  من المفترض ان يكون المنهاج التحليلي و التفصيلي للألفية الجديدة بالنسبة للنصوص الادبية . من خلال جمل بسيطة و استنتاجية مختصرة نستطيع ان نوضح للقارئ ان في حقبة الالفية الثانية حيث  ساد الطابع  المسيحي على  اوروبا منافساً للمد الاسلامي الشرقي  آنذاك , لم تكن اليهودية قوة ذات سلطة او سيادة مستقلة تدافع  بشكل فعلي و اساسي عن حقوقها في حال كانت اقلية في ارضها او مضطهدة من قبل مخالب التبشيريين او الدعاة المسلمين  , فالحملات الصليبية التي  استمرت  حتى القرن الخامس  عشر و زيادة القوة البابوية مع بروز  المذهب البروتستانتي جعل الفكر المسيحي يطغى على اوروبا و يهمش  الاقلية اليهودية , لاسيما ان العداء الديني متأصل جذرياً في النصوص الدينية مساوياً العداء  على المد الاسلامي المحمدي , و هذه  البيئة التنافسية قد انشأت تربة  خصبة لتعزيز الحقد الديني  على  اليهود و زيادته لدرجة الاعتقاد بان اليهود هم احد  اسباب وجود الطاعون  و ان الحد منهم و قتلهم هو ما سيجعل  هذا المرض ينتهي من الفتك بالأرواح و الناس , فسلسلة الاضطهادات الموجهة  لهم مستمرة حتى فترة شكسبير و التي اعانته على تصوير شيء بسيط و تافه  من هذه الاضطهادات لكن بصورة  لا تعيبه و لا تسوؤه بين  قومه . لذلك فان مسرحية “تاجر البندقية” لم يكن ليتحقق هدفها من خلال استخدام الملكة بصورة منظمة فقط , بل كانت تحتاج الاستناد الى طريقة تبريرية –و بالتأكيد يفضل ان يكون تبريراً دينياً- تغطي دموية الماضي و تهمشه حتى على المضطهدين انفسهم , من خلال الازدواجية النصية المتبعة بالنص و اظهار الجوانب التحليلية لجعل القارئ هو الحكم بدون تزويده على الاقل بالأدوات المناسبة للتقييم و النقد , لان واجب الاديب ليس اظهار الموضوع بصورة مسلية سواء كانت غائيته شخصية او فكرية فقط , بل يجب عليه ان يوفر و لو بشكل من الاشكال الادوات التحليلية المناسبة –حتى وان كانت مبادئ تحليلية تخص الكاتب- لجعل القارئ في مسار انتاجي  حقيقي و ليس متلقي خاضع لما ترسمه الزاوية الخاصة له في النص . بشكل شامل نستطيع القول ان المؤشرات التاريخية و خصوصاً على المطلعين و اصحاب الحلم المسيحي امثال شكسبير كانت تؤكد استمرارية الاضطهادات و انتاج حقد ديني سيفتعل بعدها ردود افعال مشابهة او مضاعفة من قبل الفئة المضطهدة , بل ان النص الشكسبيري بحد ذاته كان مبرراً لما سيتجه له العالم المسيحي او اي جهة لأجل الفتك بهم و محاربتهم من خلال وضع التبريرات الغير مباشرة حتى على الأفعال العدائية تجاههم و جعلها مستحقة الفعل عليهم .

لن نتكلم بشكل تفصيلي  عن احداث  هذه المسرحية سوى ما يخص موضوعنا يسبقه ملخص عام لمن لم يقرأ هذه المسرحية من قبل .  تدور احداث هذه  المسرحية في ايطاليا , البندقية تحديداً , عن شاب حالم اسمه بسانيو يسعى لخطبة اميرة بلمونت في جزيرة صقلية لكن يعوزه المال للسفر اليها فيحتاج الى الاقتراض من صديقه  انطونيو , لكن انطونيو لم يكن  يملك المبلغ المطلوب و  هو 3000 دوقية لأنه ينتظر سفنه التجارية المبحرة تعود عليه بالربح الجزيل , فاتفقا على ان يقترض انطونيو من احد التجار اليهود في البندقية و يسمى شيلوك , بالرغم من انه كان يعمل بالربا ايضاً و بالرغم من ان انطونيو يعامله بطريقة وقحة مثل البصق بوجهه كلما راه في طريقه , فحمل هذا اليهودي حقداً عليه لا يوصف متأملاً الانتقام منه يوماً ما . بعد قدومهم  و طلبهم للمال منه كانت فكرة الاقتراض بالنسبة لشيلوك فرصة للانتقام فاشترط على انطونيو ان تكلفة عدم استرجاع  النقود –و قد الغى الفائدة- في وقتها المحدد هو ان يقطع رطلاً من اللحم من جسده , و قد وافق انطونيو على ذلك متأملاً بسفنه الهائمة في البحر لكن هذه السفن قد غرقت كلها في عرض البحر  فلم يكن له بد  الا للخضوع للعقد المتفق عليه , و على الرغم من ان الوقوف بالمحكمة تضمن وصول صديقه بسانيو  مع ضعف  كمية النقود المطلوبة , الا ان الدافع الانتقامي لدى شيلوك جعله يصر على تنفيذ الحكم المتفق عليه في العقد , و تنتهي حبكة المحاكمة بذكاء محامي انطونيو الذي جاء لأجله –وهو بالأساس بورتيا زوجة بسانيو- اذ جعله يتنازل  عن الحكم بدون مقابل و سحبه كامل ثروته و يتحدد عقوبة السعي لإيذاء شخص مدني يعيش في البندقية بتحديد حكم على شيلوك من خلال انطونيو , فبدل  ان ينتقم  منه مثل ما سعى لذلك كان طلبه هو ان يعتنق المسيحية لأجل التحلي بالإيمان بمبدأ الرحمة الموجودة في العقيدة المسيحية كما يزعم ذلك , فيقبل  شيلوك  الحكم خاسراً بذلك عشيرته و احبابه و دينه  الذي ولد عليه .

يتضح  من الملخص  البسيط  اعلاه و بناءً  على الاقسام التي وضعناها و التي يخضع لها كل نص يتم انشاؤه  بان منهجية تفكير شكسبير في  المسرحية و رغم  شمولها و تعددها لمواضيع كثيرة ثانوية الا ان المسرحية كانت عرضاً دينياً بحتاً في جوانبه العامة , اذ ان الزمكانية الوجودية التي  خُلِق فيها شكسبير كانت تشهد تغيرات عظيمة في اوروبا بحلول عصر النهضة  الاوروبية ,  ذلك ما ساعد على تحرير و توسعة الكثير من الافكار رغم بقاء بعضهن تحت التقييد القديم الموجود في العصور الوسطى , اما عن الغائية التي تحملها هذه المسرحية  فليس من السهولة  استنتاجها كون تعقيدها و تشعبها و ترابطها  المعروف و المعهود  عند شخصية ذكية  مثل شكسبير . ان هدف المسرحية العام من  الممكن تقسيمه الى جانبين : جانب ديني و  جانب لاديني , يحاول شكسبير من  خلالها عدم الانحياز التام لفكرة ما داخل الجانبين و حتى مع ترابط الجانبين معاً , فعن الجانب الديني نرى الصراع اليهودي المسيحي هو ما يكون ظاهراً على السطح بارزاً انتصار المسيحية على اليهودية , و عن الجانب اللاديني نرى محاولة بورتيا  بالتنكر بزي رجل و دخول المحكمة حدثاً  يبرز عدم السماح للنساء بالحكم و القضاء بالرغم ان الحدث الذي احدثته هذه  الشخصية غير مألوف حتى في عصر النهضة الاوروبية . و لان بحثنا يتناول القضية اليهودية بشكل اساسي  فسنكتفي بتوضيح الجانب الثاني  بشكل مختصر و نقول ان الغاية الشاملة و العامة التي يعمل عليها شكسبير تظهر في هذا الجانب الضئيل من المسرحية من خلال ابرازه لاحتمالية تحرر المرأة , لكن شكسبير كعادته يسعى لبقاء حرفه مع الاجيال التي قد تأتي بعد  سقوط  صرح عصر النهضة الذي تنامى بشكل متسارع في عهده , فأجبر شخصية بورتيا  التي سعت لإنقاذ صديق عشيقها بان تظهر على شكل رجل , فامن  بذلك عدم نقده و مواجهة نصوصه في من اختلف  رايه او فكره عن ذلك مبرراً النص على انه  استثناء او ان الحكم لم يأتي من خلال براعتها فقط بل من خلال عمها دكتور بيلاريو الذي افادها بهذه  القضية  و كيف تقوم بحلها , لذلك فاستخدام جذور ذكورية ان جاز التعبير لتكون سنداً  لقضية مثل هذه كافية لجعل الآراء المضادة تجد ضالتها في تعزيز ادراكها بان بورتيا لأصبحت عاجزة لو ظهرت كامرأة في المحاكمة بل ان لولا خبرة عمها بيلاريو بالقضاء و  استعانتها به لما استطاعت النجاح بالقضية.  بهذه الطريقة  يضمن شكسبير الجمهور الذكوري العام بشتى مناهجه الاخلاقية و الاجتماعية و الدينية بان لا يتنازل عن منطقية شكسبير و القالب الذي وضعه لأجلهم ,  و يضمن بذلك الجمهور النسوي الذي قد يخرج يوماً للحياة و تكون  له حقوق و واجبات و استقلالية فيعمدون الى قراءة نصوصه و الاستشهاد بها دوماً , بهذه  الطريقة جعل شكسبير مشهداً واحداً ذا مقال واحد يحمل في طياته مساحات كافية و ملائمة لكل الاطراف المتنازعة بطريقة عبقرية لأجل ان يبقون حرفه مع كل من يعلو نجمه  و يحكم ساحة زمانه دوماً .

و هنا نبدأ بصلب البحث اذ يبرز الجانب الديني في المسرحية , و هذا الجانب لاقى اهتماماً واسعاً بين  النقاد لكن بمنهجية موضوعية خالية من الاسس التفصيلية التي عمدنا عليها في  بداية مقالنا , اذ لا تلزم هذه  النصوص سوى الحياد المنافق الذي  يجعل من جميع الاطراف مجتمعين في مقال واحد  مفسرين كلامه بطريقتهم كما يفعل سائر البشر مع الكتب المقدسة . تبرز الغاية الشكسبيرية في هذه المسرحية في الجانب الديني في اربع مواضيع اساسية هي ما  افتعلت و حققت خلود هذه المسرحية و  خلود صاحبها , و هذه المواضيع باختصار : انطونيو  (رمزية اسمه) , ظاهرة البصق (قلب الاحداث التاريخية) , المحاكمة (القوانين الموضوعة آنذاك) , و اخيراً كيف يرى اليهودي نفسه  في المسرحية  . و سنأتي بالتفصيل على كل  واحدة على حده .

قد يبدو للكثير ان اسم انطونيو كشخصية اساسية بالمسرحية لا تحمل رمزية باطنية كبيرة في  المسرحية , و هذا الاعتقاد يشمل النقاد حتى كونهم يرون ان ترابط الاحداث هو ما يعزز مسيحية موقف انطونيو  في المسرحية و لا علاقة للاسم به , الا ان النقاد قد اخطأوا و قصروا في هذا الجانب مقللين قيمة  السعي الشكسبيري للخلود كما يفعلون دوماً امنين ملكته الادبية . لم يتردد اسم انطونيو كثيراً في مسرحيات شكسبير سوى في مسرحيتين فقط و هما “تاجر البندقية” و مسرحية “ضجة فارغة” و المسرحيتين تتناول احداثها في ايطاليا ايضاً الا ان الاخيرة تدور احداثها في ميلانو , و الاخيرة ليست من المسرحيات المشهورة لشكسبير الا انها تستخدم الفكرة الشائعة و المعتادة و المعروفة عن البيئة  الايطالية و هي صراع العائلة الداخلي الذي  دوماً ما ينتهي بالقتل و الدموية . يتبين عندنا السبب المتوقع لعدم الاهتمام و الانتباه لاحتمالية وجود رمزية معينه لهذا الاسم كونه اسم شائع استخدامه في تلك البلاد و لم يكن هناك داعي للتفكير عن سبب اختياره , الا اننا لو ركزنا قليلاً لاكتشفنا ان المسرحيتين مختلفتين تماماً في توظيف الاسم كما اختلافهم في المواضيع , فالأخيرة لم تستخدم الاسم الا للإشارة للهوية الايطالية بشكل اكثر وضوحاً للمتلقي كونه اسم مشهور في ايطاليا , الا ان الاولى كان لها من استخدام هذا الاسم على  شخصية فعاله و رئيسية و  في موضوع ديني هدف و غاية مبطنه  و اشارة الى شخصية ما دينية كانت او سياسية . لذلك لو تفحصنا الاماكن التي تدور فيها احداث  هذه المسرحية سنجد ان هناك ثلاث اماكن محدده , اثنان منهما رئيسيان و  الثالث قد مررنا عليه مرور الكرام دون التنبه له , و هذه الاماكن هي : البندقية Venice , بلمونت Belmont  , و بادوا (او بادوفا) Padua  , و الاماكن الثلاث يقعن  في ايطاليا و نعرف جيداً ميزة المكانين الاولين لتناولهم بشكل كبير من خلال شكسبير , الا ان المكان الثالث يحمل قصة شخصية تحمل  نفس اسم بطل المسرحية و هو انطونيو اللشبوني  او Anthony of Padua البرتغالي الاصل الايطالي النشأة في هذه البلدة , و  هذه الشخصية معروفة برهبنتها و تدينها و نسكها ايضاً  اذ ان هذه الشخصية كانت من عائلة ثرية ارادت تربيته  ليكون من طبقة النبلاء الا انه اختار حياة الرهبنة و التبشير بالمسيح , كذلك عُرف أنطونيو اللشبوني في الأوساط الكنسية بـ (مطرقة الهراطقة) وذلك لقيامه بتعليم العقيدة الكاثوليكية حتى في أوساط الذين كانوا يوصفون بالمنشقين عن الإيمان , و هذا  ما يجعلنا نشك من استخدام هذه الشخصية في المسرحية خصوصاً حين نجد  انطونيو المسرحية يقول بعد ان وافق شيلوك  لإقراضهم بدون فائدة “ The Hebrew will turn Christian; he grows kind.” (Shakespeare’s “Merchant of Venice”, p.24) ما نستطيع ترجمته ادبياً هكذا “أرى تسامي نورٍ سيحول ذلك العبري الى المسيحية.(تاجر البندقية , شكسبير , ص24) .

و الدليل الاخر على تجسيد هذه الشخصية المسيحية هو طلب انطونيو الغريب بعد كسب القضية بان يصبح شيلوك مسيحياً , وهذا اكثر دليل على توظيف شخصية انطونيو كمبشر للمسيحية في المسرحية بعد ان بدأها باعتقاد  و حققها في النهاية كما يشر لها النص :

 

  • So please my lord the Duke and all the court to quit the fine for one half of his goods,

I am content, so he will let me have the other half in use, to render it upon his death unto the gentleman that lately stole his daughter. two things provided more: that for this favor he presently become a Christian; the other, that he do record a gift, here in the court, of all he dies possessed unto his son Lorenzo and his daughter.” (P.86)

  • كلي رجاء للدوق و لأعضاء المحكمة للتنازل عن نصف ثروته فكلي رضاً على ذلك , لكني سأوظف نصفه الذي لي لأجل ان يتحول عند وفاته الى ابنته التي قد سُرقت مؤخراً . و لا ارجو سوى نعمتين ان يفعلهما الان بعد ذلك : ان يصبح مسيحياً و ان يهب ماله هبةً لابنه لورينزو و ابنته امام الحاضرين بعد ان توافيه المنية .” (ص 86)

بعد هذا التحليل يتضح لنا ان رمزية الاسم الموجودة في المسرحية عميقة جداً رغم عدم ملاحظتها من كثير من النقاد , لان مثل هكذا توظيفات ادبية توضح لنا مدى ازدواجية الكاتب في صنع و تشكيل الهيكلية المسرحية لمسرحيته كي تفيد و ترضي جميع الاطراف و خصوصاً الطرف الذي هو فيه ,  فان المسرحية بذاتها تتسم بالمناحي التبشيرية المسيحية رغم اظهار الجوانب السلبية الموجودة في المجتمع المسيحي آنذاك .

اضافة الى ذلك , نلاحظ من شكسبير طريقة توظيف و ابراز بعض العادات الدينية من اليهود على السيد المسيح و قلبها لتكون مفتعلة من مسيحيين كأنطونيو  ليظهر بذلك اختلاف ردود الافعال بين الطرفين , و هذه العادات هي البصق و الشتم الذي حصل عليه السيد المسيح من قبل اليهود حسب التاريخ المسيحي . بهذه الحادثة نرى شكسبير كيف اظهر هذه الافعال بشخصية انطونيو ليصنع ازدواجية دينية بين الطرفين و يبين طبيعة ردود الفعل المسيحية المليئة بالرحمة و عدم اظهار الحقد , فالبصق و الشتم على السيد المسيح قد جلب العار على اليهود و لم يملأ قلب المسيح بالحقد او دافع الانتقام , على العكس من ما حدث بالمسرحية اذ نرى اصرار انطونيو في الاستمرار بفعل نفس الاشياء  الوقحة مع شيلوك لكن ليس لغاية حاقدة بل  لكفره و آثامه كما يشير في قوله :

 

  • “I am as like to call thee so again, to spet on thee again, to spurn thee, too. If thou wilt lend this money, lend it not as to thy friends, for when did friendship take. A breed for barren metal of his friend? But lend it rather to thine enemy, Who, if he break, thou mayst with better face Exact the penalty.” (P.22)
  • شيء مؤكد اني سأقذف الشتائم عليك ثانية , و ان ابصق بوجهك ثانية , و ان ارفضك ايضاً. فان كنت تريد اقراض المال لأجل الصداقة بزعمك فلا تقرضه . فمتى كانت الصداقة قفلاً بعنق صاحبه , بل اقرضه  لعدوك الذي ان اخفق  كُسر بين راحتي يديك بأفضل ما تمليه عليك ذاتك.“(ص 22)

هذا دليل اخر على التلميح و الاشارة للجانب الديني و خصوصاً لقضية اليهود الذين كانوا يبصقون و يشتمون السيد المسيح , كأن يعيد توظيف المواقف بشكل عكسي لتبيان اختلاف ردود الافعال بين السيد المسيح و اليهود .

أن الموضوع الثالث الذي يبين ازدواجية شكسبير و حياديته المنمقة هو مشهد المحاكمة و تحديداً طريقة  اظهار القوانين الاوروبية التي تدعم بشكل اساسي الفكر المسيحي , لاسيما  حين قام بتوظيف ذلك من خلال شخصية يهودية قد أيده حين كان بجانبه و العكس حين  انقلب ضده , لذا نرى تكرار كلمة Law (قانون) يدل على سعيه لربط الجانب الديني بالسياسي خصوصاً انها كانت حقيقة مؤكدة آنذاك . ان القوانين  الاوروبية بطبيعتها كانت معادية بشكل اساسي للسامية و تبني جوهر دساتيرها لنصرة القضية المسيحية , فالأمر لا يكفي بتقنين الشؤون الدينية بل يجب تقنين مبادئه ايضاً و الحفاظ على هوية و حياة الانسان الذي يحكمه هذا  الدستور بناءً على كونه مسيحياً لا ابن هذه الارض , بل ان اليهود لم يكن لهم نصيب من هذه القوانين سوى في امر المحاكمات و غيرها و  رغم ذلك لا يحصل ربما على كامل حقوقه في المحكمة كونه يهودياً ايضاً , ومن الجيد اظهار ذلك في المسرحية على الرغم  من توظيفه  بمحل يناسب شكسبير . ان استخدام الازدواجية من قبل الشخصية اليهودية هي  احد الاعمدة الايديولوجية  التي افادت شكسبير كثيراً في  دعمه للمسيحية و تحجيم  اليهودية , اما المنفذ الذي صنعه شكسبير للفكرة اليهودية هو نفس الاستناد الذي  عمده لدعم المسيحية, فيكون بذلك اشارة الى الحقبة و طريقة تناولها للأحكام و التي مبنية بشكل اساسي او ثانوي على   دين الفرد  مع اولوية المواطن المسيحي . فعن اصرار شيلوك بتطبيق القانون نرى قوله :

  • Till thou canst rail the seal from off my bond, thou but offend’st thy lungs to speak so loud. Repair thy wit, good youth, or it will fall to cureless ruin. I stand here for law. “(P.77)
  • “الى ان يكون ممكناً الخلاص من تحقيق سندي المعهود فادخر ما اتخمت رئتيك به لأجل الصراخ العالي , و حكّم عقلك ايها اليافع البريء قبل ان تخسره بداء لا دواء له . فوقوفي  هنا لأجل القانون .” ) ص77)

بعد هذا الاصرار المنطقي و المبني على تحقيق القانون ينقلب الحكم على شيلوك و يقول مقولته المعهودة :

  • Shylock: Is that the law?

Portia (as Balzathar): Thyself shalt see the act. For, as thou urgest justice, be assured thou shalt have justice more than thou desir’st.(P.83)

شيلوك:  أهذا ما تسميه القانون ؟

بورتيا (متنكرة بشخصية بالزاثار): ما لقيت سواه , فحين تنادي بالعدالة فأيقن حصولك عليها باكثر  من الرغبة المنتظرة منها . (ص83)

بهذه الطريقة يتبين لنا كيف جعل شكسبير من هذه  المحاكمة –و  التي هي ايضاً مأخوذة من قصة  حقيقية  لسنا بصدد ذكرها-  تبين الجوانب الدينية التي دفعت هذه الشخصية اليهودية الى الاستناد بالقانون و  كيف  انقلب ضده , ففي اللحظة التي بدأ الحكم ينقلب ضده وجدنا الحاضرين ينعتونه بدينه “اليهودي” لا باسمه اشارةً الى ان هذه المحاكمة لا تمثل فقط فكرة الحق و الباطل بل هي تبين  جوانب الصراع الديني و اسبابه و دوافعه لكن مع  اللجوء الى مزج الحقائق لإبقاء ذكر الكاتب بعيداً عن النقد العام و الادبي عموماً .

بعد تبيننا لجوانب شكسبير المسيحية و  العدائية للفكرة اليهودية وجب علينا ان نبين اداته المنقذة وورقة الجوكر التي اعتمدها للتخلص من ضغط الجانب الثاني او  محاربة افكاره سوى في فترة حياته او ما بعدها  , و لا يوجد ورقة  اقوى من ورقة الانسانية عند اي مواجهة مثل هذه , فعلى الرغم من ان شكسبير سعى بانحيازية منقطعة النظير الى دعم الجانب المسيحي في هذه المسرحية و اسقاط الجانب اليهودي , فهو سعى الى ابقاء و دعم خاصية واحدة لإنقاذه و هو الجانب الانساني . و قد يرى الكثيرون ان امة مثل الأمة اليهودية كان من المستحيل ان يقعوا في خديعة هذا الشيء الا اننا يجب ان لا ننسى ان هذه  الامة لم يكن لها من الحقوق و الحياة الطبيعية في ذلك الزمان و حتى عام 1948 ليكون لهم وطن و الذي يمثل الفرصة التي سيحققون فيه انتقام شيلوك اخيراً , فقبل ثلاث سنوات من هذا التاريخ و تحديداً في مايو سنة 1945 تنتهي محرقة الهولوكوست و التي انتجت اخر حصيلة يهودية شاملة متمثلة بقتل 6 مليون يهودي لتبدأ بعدها ما صوره شكسبير بروح المنتقم اليهودي . و يعوزني ان اترجم النص الشكسبيري الذي  وظفه لإنقاذه  من الجانب اليهودي , الا اننا بحاجة ماسة لإظهاره بالطريقة التي ارادها شكسبير ان تكون , و هذا هو النص المنقذ :

  • To bait fish withal; if it will feed nothing else, it will feed my revenge. He hath disgraced me and hindered me half a million, laughed at my losses, mocked at my gains, scorned my nation, thwarted my bargains, cooled my friends, heated mine enemies— and what’s his reason? I am a Jew. Hath not a Jew eyes? Hath not a Jew hands, organs, dimensions, senses, affections, passions? Fed with the same food, hurt with the same weapons, subject to the same diseases, healed by the same means, warmed and cooled by the same winter and summer as a Christian is? If you prick us, do we not bleed? If you tickle us, do we not laugh? If you poison us, do we not die? And if you wrong us, shall we not revenge? If we are like you in the rest, we will resemble you in that. If a Jew wrong a Christian, what is his humility? Revenge. If a Christian wrong a Jew, what should his sufferance be by Christian example? Why, revenge! The villainy you teach me I will execute, and it shall go hard but I will better the instruction.  “(P.52)

                       

  • “ان لم يفدني رطل اللحم بشيء , فسيفيد الاسماك لتغذيها كطعم قبل اصطيادها , و ستغذي انتقامي ايضاً بعد اقتلاعه  . فهو الذي اهانني و غرّبني وسط نصف ميلون حي , سعيه التشمت حين فشلي و مبتغاه الاستهزاء حين نجاحي , ما حصلت امتي منه سوى الاهانة و لا تجارتي سوى التسقيط , ما كان عوناً لأعواني و لا نداً لأعدائي , و ما هو السبب ؟ لأنني يهودي . أجبني اوليس لليهودي اعين يبصر بها و ايد يمسك بها ؟ الا يملك اعضاء و ابعاد و احاسيس و عواطف و أهواء ؟ أيأكل سكان القبور , أو يسيل جمراً عند النحور , أو لا يمتلئ حين سقمه الفتور , أو  لا يشعر عند  علاجه بالسرور , أو حر الصيف و برد الشتاء عنه لا يحول كالمسيحي تماماً ؟ أولا ننزف حين طعننا دماً ؟ اولا نكشّر حين تدغدغنا ضحكاً ؟ أولا يصنع سُمُّك بأحشائنا موتاً ؟ و أولا يصنع ظلمك ايانا بداخلنا انتقاماً ؟ ان كنا بالنهاية مثلك فسنشابهك . فهل الحِلم سيسود حين يظلم اليهودي مسيحياً ام الانتقام اذاً ؟ و ما كنت تتوقع حين يحدث العكس مثلاً ؟ اما زلت تتساءل لما الانتقام ؟ هذا مما قدمت ايديكم من حقارة و لن يكون مردودها الا كما اوجبتموها علي .” (ص52)

يبين النص المذكور اعلاه جوانب متعددة  يصعب حصرها في  حروف معدودة , لكن المثير للانتباه هو  استقلالية نبرة النص و عرضه بشكل شبه تام عن احداث المسرحية , و كأننا ان أريناه لإنسان لم يقرأ من المسرحية سوى هذا النص فلن يكون تصوره عن المسرحية سوى انها تدافع عن حقوق اليهود ضد المسيحيين و من المتوقع انتصار الجانب اليهودي  ,  و هذا ما يمثل ذكاء شكسبير الحيادي  الذي  تكلمنا عنه بشكل متكرر اذ بدوره جعل من أي انسان يهودي  يجد  ملجأه و منفذه في هذه المسرحية في هذا النص و كأنه يتفق مع طريقة عرضه في نفس المسرحية . ان اكبر  دليل و نجاح ادبي لهذا النص و شكسبير هو حين تم توظيف هذا النص من قبل عازف بيانو  بولندي يهودي اسمه “اديسواف سيزيبلمان” الذي كتب سيرته الذاتية بعنوان The Pianistعازف البيانوسنة 1964 و التي تناول فيها بشكل اساسي قضية محرقة الهولوكوست و كيف نجا منها , فنتج عن ذلك بعدها انتاج فلم  سنة 2002 بنفس العنوان على يد المخرج الجنوب افريقي رومان بولونسكي , و المثير للاهتمام هو ان المخرج –و  صاحب الكتاب كحادثة حقيقية-  قد استقطع جزء من هذا النص فقط الذي يبدأ “? If you prick us, do we not bleed? (فلم عازف البيانو 46:49) و الذي يتمثل بجمعهم في  احد  المعازل قبل ذهابهم الى المحرقة الشاملة , اذ كانت المسرحية بيد اخي سيزيبلمان و قرأه عليه . هكذا يتبين لنا كيف يستطيع  و ينجح شكسبير دائماً من صناعة ورقة انقاذ له تمكنه من الظهور و البروز عند جميع الاطراف  حتى  الذين وقف ضدهم في ظاهر النصوص او باطنها , فهو دوماً ما يسعى لصنع نص مضاد داخل المسرحية لضمان وجوده  مع الاطراف كلها , بالوقت الذي لو تم تغيير  النصوص قليلاً  و صنع او اظهار موقف لهذا الموضوع فلن  نرى سوى البغض  له في  زمان او مكان او مجموعة معينة دوماً , بذلك  ينجح شكسبير ادبياً لكن يفشل فكرياً بسبب  استخدامه لذكائه و ملكته الفنية الابداعية بشكل مفرط و لأجل غاية شخصية و  هي الخلود على حساب الموقف و المبادئ .  

نستنتج من تفصيلنا للجوانب المخفية  و  التي لم تحظى بانتباه و اهتمام من قبل ان نجاح شكسبير لم يكن ليتم انجازه و تحقيقه بدون وجود طريقة لضمان اسمه و حرفه مع كل البشر لاسيما اصحاب  الجوانب  و الهويات  السلبية , فالخير و الشر و الصديق و  العدو سيان  على خشبة مسرح شكسبير لأنه لا يملي عليهم ما يجب ان يفعلون بل يفعل ما يملون  عليه  من الاشياء الواجب باعتقادهم فعلها , فالإنسان لا يفكر حين  يقرأ اي  نص ادبي بجوانب متعددة او يحاول ان يتمرد على الزوايا التي  حدها لنفسه , فيكتفي بما وفره له  الكاتب في النص و يعزز نفسه به كما شرحنا في  بداية المقالة , بل ان الكاتب بذاته لا يسعى –ولو تلميحاً- بإثارة حفيظة المتلقي للخروج عن  زاويته ليرى العالم بطريقة مختلفة عن التي اعتاد عليها ,   بل يوفر له كل سبل الراحة النفسية و الفكرية داخل الزاوية المطلوبة بطريقة عبقرية فعلاً . بإمكاننا الان توجيه الجيل الحالي و الاجيال القادمة ليكونوا اكثر دقة و نباهة لتحليل العمل الادبي بزيادة الوعي الجماهيري و المطلع بشكل اساسي على حقيقة  مثل هذه  الاعمال المشهورة و العالمية بعدم تهويل جماليتها و التكريس لأجل الحد من تقليل شأن الافكار و مسؤولية الكاتب تجاهها , فمن حق الكاتب الادبي ان يكون حيادياً بشرط ان يكون منصفاً في اي موضوع يقوم بطرحه وصاحب موقف واضح تجاه ما ينادي به و يؤول اليه حرفه , لا ان يكون حيادياً بدون انصاف او موقف محدد فيجعل الطرفين سيان بالنسبة لأنفسهم و لمن يواجهون داخل النص , فلا يحصل المتلقي من النص سوى تعزيز فكره و تطرفه احياناً للبقاء داخل زاويته , فقد اقول شيئا من محض الخيال لو تم رسم انتقام شيلوك الشخصي في المسرحية الى انتقام لأجل الحرية و حقوقهم كبشر مثلاً فيتحول المشهد (الواقعي و السينمائي) من قراءة نص و تقبله من المسرحية الى دستور للانتفاض و الثورة لأجل حقوقهم فتنتهي –او تواجه ببسالة- محرقة الهولوكوست من قبل اليهود , لكني سأعذر كل من يعتقد باستحالة قولي حين لا يكون مدركاً بشكل كافي لظهور نص شكسبير في هذه الواقعة و الفلم على حد سواء .

نستخلص من كل ما قدمناه اليكم و بشكل مبسط  حقيقةً  مفادها  ان الشخص الذي احب هذه المسرحية كونه مسيحيا فالسبب لانها تظهر  جانبا مسيحيا و ليس لإنصاف الفكرة المسيحية , و ان كان هناك يهوديا احب هذه المسرحية فلانها تظهر جانبا يهوديا و ليس لإنصاف الفكرة اليهودية . و هذا ما يحقق الخلود الادبي لدى هذا الكاتب لعدم وجود من يواجه حرفه و يلومه ابداً . و قد الهمتنا المقاييس الجديدة التي وضعناها بانه يجب ان لا تكون هناك حيادية نصية عند الاديب و لو بنسبة ضئيلة , كون ان مواجهته النصية هي حيادية بجوهرها , فلن يبلغ نصه مهما كان مؤثراً  من يحمل سلاحه و يواجه الظلم , و لو نطق درويش و النواب هذه الايام لقال للمقاومة ان اسلحتكم و قنابلكم اليدوية لهي اقدس من حروفنا المرتبة , فتتحول شهادتهم بذلك الى صوت يدعو الى الحرية و الوطنية فيحقق هدفه و ينتقل به الى ما هو اكبر منه و هو الفعل . بهذه الطريقة نؤكد اهمية مواجهة و اسقاط الحيادية الشكسبيرية لان الحيادية الوهمية اتي وضعها امثال شكسبير في اعمالهم و التي لم تملك غاية اكبر من خلودهم هي ليست الا استخدام الادب كأداة عرض بغض النظر عن الاطراف و افكارهم , فبدل ان يجعل الادب صورة للحياة جعل الحياة صورة للأدب الذي يرسمه الاديب فيكون الهاً يحدد مصائر كل شيء و مطلع على كل شيء , و نحن بدورنا علينا ان نصدق كل شيء حتى حين يكون ما يعترضه غير موجود فنغيره ليناسبه , لذلك فان المرحلة القادمة ستتمثل بإسقاط الصرح الشكسبيري و جعل الموقف الادبي هو ما يمثل كل كاتب و نفسه لنصنع اجيالاً تملك من الآراء و تقبل الاختلاف و الوعي ما يكفي لعدم صناعة شخصية تلو شكسبير و المتنبي و دوستويفسكي وغيرهم من الذين صنعوا من نصوصهم و ملكتهم الادبية اداة لأجل خلودهم و ليس وسيلة لأجل غايات انسانية عظيمه .

 

شاهد أيضاً

الشيخ نهرو الكسنزاني: اقتلاع جذور الفاسدين بات قريبا

الأضواء / السلمانية / دلير ابراهيم  ـ ريكان كمال  اكد رئيس الطريقة القادرية الكسنزانية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.