الرئيسية / آراء حرة / دراسة موجزة  في  الفلسفة الاسلامية – كتاب فلسفتنا أنموذجاً

دراسة موجزة  في  الفلسفة الاسلامية – كتاب فلسفتنا أنموذجاً

الجزء السادس : مكانة الفلسفة الاسلامية الحديثة و فلسفة الصدر

كتب : أمجد حميد- العراق

ان  طول  الحديث عن الفلسفة  الاسلامية المعاصرة لم يتخلله الاجهاد الفكري الذي  كنا متوقعيه  فحسب بل خلق  تساؤلات عدة  لدى القارئ بخصوص حصيلة  ما  انتجته هذه الفلسفة , و اهم هذه التساؤلات هي: ماذا بعد  فلسفتنا ؟ و هل ستتطور هذه الفلسفة  لتكون يوماً ما مدرسة ام ستكتفي بما وصلت له ؟ و هل اخذت  هذه  الفلسفة  رغم  بساطتها و ثغراتها المكانة العالمية و التاريخية المستحقة ام لا ؟ لذلك فان الاجابة  على هذه  الاسئلة هي ما ستمثل نهاية سلسلتنا التي بدأنا فيها العام و سننهيها بالكلمات التي ستتلونها في هذا المقال الاخير لها .

و كعادة الاسئلة الفكرية , فهي تحرم السائل من نشوة الاجابات السريعة و الجاهزة , لاننا لا نؤسس لافراد معنيين قلائل او  لصنع اغلبية وحدوية فقط بل نطمح لترسيخ الحس  النقدي لدى الشعوب و جعله ينمو  عبر  التوارثات الفكرية الممنهجة و الصحيحة . لذا فان كل  فلسفة ناشئة , مهما بلغت تعقيداتها و تجلياتها , تقتصر بشكل  عام على منحيين يمثلان الابعاد المترتبة على هذه  الفلسفة و  حضورها مجتمعياَ و تاريخياً , فيشمل المنحى الاول معرفة ماهية الفلسفة  المعنية في العالم اثناء و بعد وجودها , و اما الاخر فهو  وجوب وجود امتداد لهذه الفلسفة  و محيي  لها و خصوصاً ان كان من صلبها او من اوائل متلقينها و تلاميذها.

و في باب  المنحنى الاول , فقد التمس بحثنا الشيء الكثير من ذلك  في الاجزاء السابقة , خصوصأ  حين  سعينا لتقييم المدارس الفلسفية العالمية  مع فلسفة  الصدر و شرحناها بشكل مسهب  . الا اننا لم  نلتفت ملياَ لما  انتجته هاي المشاحنات النقدية في عقول الدارسين و ماذا خلفت  بعد وفاته من اثار , ما يجعلنا ملزمين لاثبات المكانة التاريخية  لها بعد اثبات المكانة الفلسفية في السابق . لذا فسيكون  من الواجب علينا اظهار الدراسات التي تناولت الصدر و كتاباته  و  النقد الذي توجه اليه مقيمين  تقييماً  بسيطاً بين  الفلسفة الاسلامية الناشئة و موازاتها مع التيار الفلسفي العالمي في القرنين الاخيرين .

تتعد الصور النقدية الموجهة للصدر بالرغم انها  تتفق  على مجموعة من المسلمات قدمها الصدر على الصعيد الاقتصادي و الفلسفي و السياسي ,  اهمها  الديمقراطية الفكرية الواضحة و الممزوجة بالبعد الديني , و التي  لطالما كانت نادرة  بل شبه معدومة في التاريخ الفكري  الاسلامي الحديث , فقبل الارتقاء الى التقييم العام , يجب  ان نلفت  النظر الى المحاولة المجاورة و المشابهة لمسعى الصدر و المتمثلة بالمسعى الخميني و تحقيق فكرة الدولة الاسلامية . و اشارة على ذلك نستدل بفشل المسعى الصدري  رغم ديمقراطيته  في موازاة و مواجهة  التيارات الحزبية  انذاك حتى وصل به الحال الى الاعدامات العامة وصولاً  الى محمد الصدر  نفسه , ذلك ما يثير بعقل القارئ تساؤلاً فرعياً  عن  سبب نجاح الثورة الخمينية في  ايران رغم خلوها  من المادة الفلسفية و فشل المشروع الصدري  رغم اسسه الفلسفية , اذ سيتوضح  ذلك من خلال ملاحظة الاسس المنهجية التي خطط لها الخميني  و وضع لها لتأسيس هذه الدولة , و بالرغم من ضخامة هذا المشروع و كثرة تشعباته الا اننا نلتمس  ما  كان يهدف  اليه  الخميني  في  مشروعه العالمي في  كل جانب من جوانب كتابه  و ما يطمح  له من دولة اسلامية  فاشية  ديكتاتورية:

الشرع و العقل يفرضان علينا  الا تترك الحكومات وشأنها . والدلائل على ذلك واضحة ,  فان تمادي هذه الحكومات في غيها يعني تعطيل الاسلام و احكامه . في  حين توجد نصوص كثيرة تصف كل نظام غير اسلامي بأنه شرك , و الحاكم او السلطة فيه  طاغوت . و نحن مسؤولون عن ازالة اثار الشرك من مجتمعنا المسلم , و  نبعدها  تماماً عن حياتنا.” (الحكومة الاسلامية, ص37)

أننا و من دون حاجة لاستخدام نص من هذا الكتاب سندرك ان تيار الخميني هو دولة بلا فلسفة , و تيار الصدر هو فلسفة بلا دولة , لذا ان الدولة التي  ستخلى من الفلسفة ستصعد بالديكتاتورية و الفاشية , و ليس هذا النص  الا ميثاقاً نستدل به يقينياً  عن مدى عمق الايديولوجية  الدينية في  دولة الخميني . و قد  نتعمق  في  فكرنا و تحليلنا اكثر  حين نقول ان الدليل الاخر على محدودية الرؤية السياسية لدى الصدر هو استماعه لنصيحة الخميني  للبقاء في العراق , فبقاءه  كان احد التسهيلات للسيطرة عليه  و كبح  جماحه بل وقتله  من قبل  السياسة البعثية . يتناول الاستاذ جودت القزويني في رسالته للدكتوراه في جامعة SOAS  للدراسات الشرقية  و  الافريقية في  بريطانية و التي عنوانها  “The Religious Establishment in Ithna Ashari Sheism” “المؤسسة الدينية  في  الطائفة الاثناعشرية” هذه الحادثة التاريخية  و يصفها مستغرباً :

زُعِمَ ان الخميني  قد اتصل بالصدر من خلال اذاعة راديو طهران (القسم  العربي) طالباً  من الصدر عدم مغادرة النجف لكي لا  يشكل  غيابه  انهياراً  للمرجعية  في النجف . و  قد فُسِّرَت الرسالة بمنظور سياسي و معنوي على انها دعم للصدر بالرغم انها  صدرت في  فترة حرجة للغاية , لدرجة ان بقاء الصدر في النجف لا يرسم اي  مستقبل لبقاءه حياً  على الاطلاق . اضافة الى ذلك  فان الذين ابلغوا الخميني بمسعى الصدر لمغادرة النجف كان لهم – كما يبدو – دوافع خفية وراء ذلك , خصوصاً  ان شكل الخطاب  الموجه من الخميني لا يمت بصلة بحقيقة  مكانة الصدر و مسؤولياته في الحوزة العلمية  انذاك.” (“المؤسسة الدينية  في  الطائفة الاثناعشرية” ,جودت القزويني ,  ص186 , ترجمتي)

نستنتج من الحدث و النص ان غياب الدهاء  السياسي -حتى مع وجود الفكر الفلسفي العبقري –لن يصنع من صاحب  المشروع الفلسفي لبناء دولة قائداً او صانعاً  او حتى ان  يتوقع قدوم شخص بعده سيحقق حلمه بحذافيره , لان الفلسفة و التنظيم لا تكفي لصناعة دولة خصوصاً في وسط حساس  و معقد مثل الشرق الاوسط , و كانت هذه الحادثة التي اظهرناها في النص السابق خير دليل , فعلى الرغم من تحفظ صاحب الرسالة من اعطاء اي استنتاجات سياسية مباشرة الا ان الامر كان واضحاً بان الطلب لم يكن الا لاجل تصفية اي مسعى ثوري اسلامي في العراق يوازي ما حدث في ايران . و ذلك ما يفسر بشكل قاطع عدم نجاح الصدر في تحرير قيود فلسفته لتكون دولة حقيقية سواء في حياته او حتى بعد موته , و حكم حزب الدعوة بعد السقوط هو دليل اخر يبرهن لنا  غياب  فلسفة الصدر.

وضح  لدينا  الان ان الحكومة الصدرية  هي فلسفة بدون دولة  , و الحكومة الخمينية دولة بلا فلسفة , فان خلت الفلسفة من حس الدولة فشلت و ان حكمت , كحزب الاخوان  المسلمين في عهد الرئيس مرسي مثلاً , بل ان  حزب الدعوة بعد سقوط الحكم البعثي و صعوده لدكة الحكم لم يكن ذات المنظومة التي نادى بها  السيد الصدر و من اجلها  اوجد الحزب , و الا لما وجدت هذه  الانشقاقات و المنافسات –على اقل تقدير – في الحكم و التطبيقات . و ان خلت الدولة – حتى لو كانت اسلامية – من الحس الفلسفي , لن  تبلغ  في سعيها اي شبر من  الديمقراطية  , و لن تحقق سوى الاحكام الديكتاتورية , و بقاء الحكومة الخمينية الى يومنا هذا و حكم حزب الدعوة لمدة 8 سنوات  هو  البرهان .

يتخلل كل ما سبق  مؤشرات  جيدة  على ان الفلسفة الاسلامية لم توازي الفلسفة الغربية و مدارسها على الصعيد العام فحسب , بل تجاوزتها في  بعض  الجوانب و شابهتها في النتائج و الاحداث التاريخية , خصوصاً ان الارتقاء من التنظيم الى التطبيق و الخروج على المبادئ التنظيمية لم تحظى به كل المدارس الفلسفية  الغربية لخلق  كيان سياسي يمثلها او حتى حكمت  دولة  ما , لكن  الفلسفة الاسلامية المتمثلة بالصدر  قد سعت و جاهدت لان تكون ظاهرة للعيان  و تنشأ حكمها حتى مع الاخفاقات التي جرت و عدم تطابقها الفعلي مع النصوص الموجودة و قواعدها المطلوبة , وقد التمسنا الفارق حين راينا ان عدم نجاج الامر كان لنفس الاسباب التي ناقشناها سابقاُ . هذا ما  يكفينا  لاجل ايضاح مسعاها و ما انجزته اثناء فترة انشائها و الى اليوم من ناحية الاتجاهات المجاورة و ما هي رؤية الرؤية البسيطة التي نتجت عنها في العالم. 

هكذا رسمت ملامح الصدر الفكرية , و بهذه الصورة التاريخية  انتقلت الى العالم و كتبوا عنها بشكل نقدي و بتقييم منصف  له , فاصبحت فلسفة  الصدر نوراً  يهتدي اليه  الساعي في الدراسات الاكاديمية في العالم  لفهم و ادراك مدى التطور و حجم القفزة التي حدثت  في التاريخ الاسلامي من من ناحية الفكر الفلسفي و السياسي على يد الصدر . و بالرغم من كثرة المتناولين لفلسفة  الصدر , الا  ان بروز بعض الدراسات شكلت مرجعاً عالمياً  لهذه  الشخصية  الفذة و افكاره و ثقله في التاريخ الحديث , فراينا  شبلي  الملاط , المحامي الدولي و الاستاذ في  جامعة SOAS  البريطانية , قد تناول في احد كتبه و هو “تجديد القانون الإسلامي: محمد باقر الصدر، النجف، والشيعة الدولية” العلامات التي  برزت الصدر  كفيلسوف  و مفكر تجديدي للتيار  الاسلامي في العصر الحديث و كيف له الفضل في تعديل و تنظير الفكر الاسلامي الحديث , اذ شكل  هذا  الكتاب  قفزة معرفية  من  هذا  الجانب  لنشر افكار الصدر و فلسفته في المراكز الاكاديمية الاوربية  و العالمية بشكلها التي  تستحقه . كان ذلك على صعيد الجامعات العالمية المختصة بالدراسات الشرقية , اما الجامعات الاخرى فقد  برز كتاب ” The Most Learned Of the Shiʿa: The Institution of the Marjaʿ Taqlid” “علماء الشيعة : في تقليد  المرجعية الدينية” للمحررة ليندا .س . والبريدج في جامعة اكسفورد , مخصصةً مبحثاً كاملاً لمحمد باقر الصدر و فلسفته و افكاره معلقة في مطلعه :

بالرغم من كون  الخميني فيلسوفاً, الا ان فلسفته لم تكن بارزة كافكاره  السياسية و القانونية . على  عكس محمد باقر  الصدر التي تغلغلت فلسفته حتى في اوساط الطائفة السنية في العالم . لقد خاطب الصدر الافكار  الفلسفية الغربية  لا  لتشويهها بل لتحديها ونقدها بما يتناسب و طبيعة المنظومة الخاصة التي صنعها  . ان اهداف فلسفة  الصدر دينية في نهاية  المطاف , موضحاً  فيها  ان لا نقيض بين المعرفة الدينية و المعرفة العلمية بل هما في نفس المستوى المعرفي , و بالتالي فان الاولى موجودة لمعالجة القضايا المهمة و الخاصة بالمثقفين المسلمين.” (“علماء الشيعة: في  تقليد المرجعية الدينية” , ليندا. س. والبريدج , ص131 , ترجمتي)

لقد قدمنا  بما فيه الكفاية ابرز الاعمال و الجهات التي تناولت فلسفة الصدر و التي بدورها اعطت الصدر  ما يستحقه من الناحية النقدية و الفكرية , و الواقع ان  هذا الانتشار و التقييم الايجابي متوقع كون ان الصدر لم يترك مجالاً من المجالات الفلسفية الا و تناوله بالرغم ان المقياس الذي اتبعه ديني و اسلامي  محض . بقي  ان نظهر الجانب  الاخر الذي يمثل مكانة هذه  الفلسفة و المتمثل بالامتداد  الوجودي والتاريخي و الفلسفي  لهذه المنظومة الفكرية .

مما لا شك فيه ان اي مشروع فكري لا يستمد قيمته مما كتب عنه او قيل بقدر ما تاتي من بقائها و تجديد احيائها , لان ما يتم ذكره و تقييمه هو ليس الا تخليداً لذكرى هذا المشروع ليس الا , اما بدون المسعى الحقيقي لاستمرار وجوديته الفعليه و جعله فعالاً بين المجتمعات و الًمفكرين في كل  جيل يتلو عصره , فلن تاخذ  هذه  الفلسفة  اي  حيز مجتمعي حقيقي او اهتمام مستحق . و حين نقول  ان  فلسفة الصدر , سواء على صعيده كتابه “فلسفتنا” او على صعيد فلسفته بمجملها او حتى كامل انجازاته الفكرية في الدين و المعرفة و الفلسفة , هي خالدة و متجددة , فنحن نقصد  ان هناك الكثير من الشخوص ذوي العقول المستنيرة قد عرفوا قيمة هذا الفيلسوف  و احيوا ذكره و رفعوا من شأنه من خلال كتبهم و افكارهم , و بالرغم من ان كثرة المتاثرين و الذين اخذوا من فلسفة الصدر منهجاً لافكارهم و اطروحاتهم الا ان هناك شخصية قد برزت و علت لتصبح انموذجاً لتطور الفلسفة الاسلامية في العقود الاخيرة , اذ ان احد الجذور لهذه  الشخصية التي صنعت كل هذا الشموخ كان محمد باقر الصدر  كونه كان من تلاميذه , و هذه الشخصية هي السيد كمال الحيدري .

من المعلوم ان المؤسسات الدينية بشكل عام و المؤسسة الدينية الشيعية بشكل خاص تعتمد على التوريث الفكري لتخليد و احياء المناهج الفكرية , و يكون هذا التوريث من خلال انتقال المنهجية الفكرية من الاستاذ الى الطالب اذ يقوم الطالب , حسب نبوغه و علمه و عبقريته , بمراجعتها و مناقشتها  بل و نقدها في المستقبل كي  يحيي ذكرى استاذه و يبقي روحه في الاجيال التي  تلي  وفاته . و كمال الحيدري  , كطالب نابغ  درس في  احضان اعظم اساتذة المرجعية و من ضمنهم الصدر , اصبح من بعد تلقيه الدروس  و المحاضرات في فترة دراسته الحوزوية من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي و المعرفي , اذ اشتهر – من جانب الاصلاح الديني – بمناظراته  العقائدية مع المذاهب والفرق الأخرى عبر برامجه التلفزيونية كبرنامجي مطارحات في العقيدة والأطروحة المهدوية اللذين كانا يبثان من قناة الكوثر الفضائية قبل اغلاق البرنامج , اما على الجانب المعرفي فقد احيا الحيدري استاذه الصدر في كثير من المحطات و الاعمال الفكرية  لديه , وقد لا يسعنا تناول جميع المحطات التي قام الحيدري بمناقشة  افكار استاذه الا اننا سنكتفي بما ذكره و ناقشه في كتابه “مدخل الى مناهج المعرفة عند الاسلاميين” . فمن  ناحية تواجد فلسفة الصدر في هذا الكتاب يعلق الحيدري بعد مناقشته التطور الفلسفي الذي قدمه الشهيد الصدر بخصوص المنطق الاستقرائي قائلاً:

ومما تقدم اتضح ان السيد الصدر لم يهدم ما بناه المنطق الارسطي برمته كما قد يُتوهم, وانما أضاف طريقاً اخر لتوالد المعرفة البشرية, وهذا ما يصرح به في مواضع متعددة.” (مدخل الى  مناهج المعرفة عند  الاسلاميين, ص359)

نضيف الى ذلك ان الامتداد الفكري لا يعني بالضرورة ابقاء جميع افكار المصدر (او صاحب  المشروع) على شاكلتها بدون المسعى الى تطويرها او نقدها و وضعها في سلّمها الصحيح و المناسب لها, بل ان صلب الامتداد يتكون من اعادة هيكلة  و  تنظير المشروع الفكري بشكل يتناسب و طبيعة تطور المعرفة و الادوات المعرفية الجديدة , و كل ذلك مبني على الذي حصل على هذا الارث من الافكار و الذي تناولها . هذا ما يتوضح لنا في سيرة كمال الحيدري و ما انتجه من افكار كانت محل جدل في العقود الاخيرة , فهو لم  يكتفي  باحياء افكار و مشروع استاذه بل تجاوز بعض مناحيه و نظرياته بل وحتى الاسس التي بنيت عليه هذا المشروع :

وكيفما كان  فالمدرسة الاصولية  و الاستدلالات الفقهية التي تركها لنا الأستاذ الشهيد كلها نثبت بما لا  مجال للشك فيه أنه كان ملتزماً بتلك  المسلمات التي تسلمها فقهاؤنا الأوائل  من يد الشارع الأقدس – على حد تعبيره – وأن الابداعات الأصولية التي جاء بها الصدر كانت ضمن ذلك الأطار الذي تبلورت خطوطه العامة على يد  الرعيل  الأول من فقهاء الطائفة.”  (مدخل الى  مناهج المعرفة عند  الاسلاميين, ص412)

من خلال هذا النص , يوضح  الحيدري  ان التطور الفكري الذي انتجه الصدر سواء على الصعيد العقائدي او الفلسفي او المعرفي لم يكن الا نتاجاً ثابتاً و استمراراً توارثياً من الافكار و المسلمات السابقة , مضيفاُ ان الجديد الذي قدمه الصدر  هو ليس الا محاكاة حداثوية باستخدام اللغة و الادوات المتعارفة في عهده لنقل و اثبات ما تؤمن به المؤسسة الدينية الشيعية و الفكر الشيعي بكامله . و لا يبرز تعليق الحيدري على المستوى النقدي  فقط بل ان الواقع يثبت انه قد خرج عن هذه الدائرة و قام بتجديد افكار المذهب و مسلماته لتكوّن بدورها عهداً جديداً يتطلع في السنين القادمه لنشر هذا التجديد و تثبيته , و هذا و ان كان  غير ظاهر في فلسفة الصدر الا ان الجوهر واحد و ثابت عند الاستاذ و تلميذه , لذا فان التجديد الذي قدمه الحيدري في كل مستوياته قاطبة هو امتداد حقيقي و واقعي لمشروع الصدر و افكاره حتى مع مخالفة و توضيح مادة افكاره و مكوناتها.

نصل بذلك الى ختام السلسلة و نقول: ان كل هذه الكلمات هي ليست مقياساً لشخص الصدر بل لافكاره , فمن يستطيع  ان يقيّم شخصاً كان اول كتاب له بعمر 8 سنوات  و كان  الكتاب بحدود مئة صفحة ؟ محال ان نجد كُثُر في تاريخ البشرية قد وصل نبوغهم و امكانياتهم المعرفية لهذا الحد  في هذا العمر الذي لا يعرف الانسان فيه سوى اللعب  و المرح .  ان افكار الصدر و كتابه “فلسفتنا” بالتحديد هي السراج الذي ينير الطريق  للفكر الشيعي الحديث , فهو على الرغم  من كل ثغراته الا انه انتج و صنع بما فيه الكفاية من فرص ارتقاء و بلوغ الفكر الاسلامي و الشيعي ليصبح محط انظار العالم سواء من خلال فلسفته نفسها او من خلال من تناولها او حتى من خلال من احياها و طورها و نقدها . اننا و بلا شك لن نتصور ان العجلة التاريخية التي قلبت موازين العالم في القرون السابقة , و التي حطت الشرق بعد ان  كان سيد الفكر و رفعت من اوربا بعد عصر التنوير , قد  تعيد ما فعلته  فترفع دابر الشرق مرة اخرى  و تحط الغرب كما كانت في  عهودها الاولى , لان العصر الحديث بعد الاحداث المريرة التي مر بها قد صنع وعياً جماهيرياً واسعاً يكفي لاحتواء الذات الفكرية بغض النظر عن انتمائاتها المتعددة , فنحن ان بشرنا بعهد فكري شرقي حديث , سواء كان تحت مظلة دينية عامة او  اسلامية خاصة او فكرية شاملة , فلن يكون كما نتصوره عهداً تنويرياً يراد به الارتقاء و اخذ المكانة العلمية الاوربية كما حدث في عصر التنوير , بل ان دعاة المعرفة الحديثة سيكسرون كل الحدود التي تلي الحدود الانسانية جاعلين الوعي الجمعي ديانة انسانية توحيدية تنهي مسار البشرية التصنيفي بمختلف الوانه , و هذا ما يبان جيداً من الرسالة الباطنية التي تحملها الاراء التي  نادى بها و التغيير الذي حدث مسبقاً في كتابه “الاسس المنطقية للاستقراء” بالرغم ان الهدف الظاهري و الاساسي اسلامي , بل ان الامتداد الذي خلقه من خلال تلميذه الحيدري هو الدليل الامثل و الابصر لما نتوقعه من كسر الحدود التي تصنف البشرية مبشرةً بعهد –و ان كان يومه بعيداً –لا يفكر فيه الانسان بالفروقات التي تربطه بانسان اخر , لان الوعي الجمعي الذي انزرع براسه سيهديه لمبدأ مفاده ان الانسان انسان , اياً كانت افكاره و قوميته و دينه و مذهبه و الوانه و كل ما يحوي مألوفاً كان او غير مألوف .

انتهى . . .

 

المصادر العربية:

 

ابو الوليد ابن رشد , “فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال”, دار المعارف .

ابو  نصر محمد الفارابي, “اراء اهل  المدينة الفاضلة و مضاداتها”, مؤسسة هنداوي , 2017.

احمد بدر , “أصول البحث العلمي و مناهجه” , وكالة المطبوعات, الكويت 1982.

روح الله الخميني, “الحكومة الاسلامية”, مكتبة الاسكندرية.

سلامة موسى, “احلام الفلاسفة”, مؤسسة  هنداوي, 2012.

كمال الحيدري, “مدخل الى مناهج المعرفة  عند الأسلاميين”, دار فرقد.

محمد باقر الصدر, “فلسفتنا”, مركز الابحاث و الدراسات التخصصية  للشهيد الصدر , 1969 .

محمد باقر الصدر, “الاسس المنطقية للاستقراء”, العارف للمطبوعات, 2008.

 

المصادر  الانكليزية:

 

Al-Qazwini, J.K. (1997). The  Religious Establishment  In Ithna’Ashari Shi’ism,  University of London.

Walbridge, L. S. (2001). The Most Learned of the Shiʿa: The Institution of the Marjaʿ Taqlid. University of Oxford.

 

شاهد أيضاً

الكاتبة الصغيرة

بقلم: دانية الراوي ـ العراق  سنعيش في هذه الحياة على شيء اسمه الصبر والأمل الكبير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.