الرئيسية / أخبار محلية / عشيرة النصيري في قضاء اَلِمْدَيْنَة في كتابات الباحث البصري الدكتور مشتاق عيدان أعبيد الحلقة الأولى

عشيرة النصيري في قضاء اَلِمْدَيْنَة في كتابات الباحث البصري الدكتور مشتاق عيدان أعبيد الحلقة الأولى

كتب/ أسعد شهاب اللامي

تمثل كتابات الباحث الدكتور مشتاق عيدان أعبيد (كونّهً أحد أساتذة التاريخ الحديث والمعاصر في البصرة- عضو اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة) الخاصة بجزائر البصرة ومركزها قضاء اَلِمْدَيْنَة مصدراً مهماً في المجالات التأريخية والدينية والسياسية والجغرافية والاجتماعية من خلال عدداً من مؤلفاته القيمة. لذلك برزت أهم ملامح كتاباته في الحياة اليومية والأحوال الدينية والسياسية والاجتماعية والعادات والتقاليد والفلكلور التراثي للمنطقة؛ وقد لاقت مؤلفاته صدىً واسعاً داخل أروقة المكتبات والباحثين والنخب المثقفة والمهتمين والقراء الكرام. إذاً كتاباته تعد مصدراً مهماً لفهم تأريخ المنطقة في جميع المجالات التي تمتاز بها، كما أسلفنا في مواضيع أخرى. ففي لقاء خاص معه( 14نيسان2026) أجاب على سؤالنا: بعيداً عن الانحياز، لا حضنا أنَّ النصيري حظيت باهتمامكم من خلال مؤلفاتكم القيمة التي أطلعنا عليها؟ إجابنا بهدوءه المعهود وهو يحرك كلتا يديه:” للتوضيح أنا بالعموم أهتم بتأريخ المنطقة برمتها، وبجميع عشائرنا الكريمة. وكلُ مجتمع اَلِمْدَيْنَة أهلي وناسي. ولكن هناك بعض العشائر تهتم بتأريخها ومورثها الشعبي، وهذا عنصر مساعد للباحث بالكتابة. كون الباحث يحتاج إلى مصدر أو مادة أولية أو ذاكرة شفهية. وقد وجدت عشيرة النصيري مهتمة جداً بـتأريخها وتهتم بتراثها، ويحتفظ الكثير منهم بوثائقهم التي تعد مادة تأريخية مهمة. كما أنهم يقدمون التسهيلات للباحث في الكتابة. وهذا هو الأساس. وقد شاءت الأقدار أنّ نتحدث عنهم في أكثر من موضع. وقد حظوا بنصيب جيد أو وافر في كتاباتي الخاصة بقضاءنا الحبيب. ولهم تأريخهم المغاير في القضاء، فقد كانت النصيري من العشائر المشاكسة للنظام في زمن الملكية والإقطاع، ولهم صولات في وجه الإقطاع. ونشطت فيها الحركة الفكرية اليسارية والرياضية والثقافية، فهي أرض خصبة لنمو تلك الأفكار والنشاطات. فمن فريق الخالصة الشعبي ولدت فكرة تأسيس نادي اَلِمْدَيْنَة الرياضي عام 2000. ولا ننسى حركة المملكة الثقافية -الرياضية في نهاية تسعينيات القرن المنصرم ودورها الفاعل رغم الخناق الأمني للسلطة الحاكمة أنذاك وقد كنت جنابكم أحد أعضائها. فقد كانت صرخة لرفض الواقع الذي يعيشه العراق في تلك الفترة الزمنية وغيرها …”. وقد أجابنا على سؤال ماذا تعني لك عشيرة النصيري شخصياً؟ّ! صمت قليلاً ثم قال:” عشيرة النصيري، تعني لي الكثير، لوجود الأحبة والأصدقاء دون ذكر أسماء لكي لا أنسى أحداً منهم. ويرتبط أجدادنا معهم بعلاقات ووشائج اجتماعية وقد أكملنا نحن المسيرة. وبنفس الوقت للنصيري مواقف وطنية خالدة لما لمسناه من شخصياتها عبر التأريخ خلال الحقب العثمانية والأنكَليزية والملكية والجمهورية. كما أنَّ في النصيري فلسفة صراع الاضداد. واتجاهات سياسية عديدة متنوعة ونخب مثقفة كبيرة”. وسنتناول في هذه المقالة كتاباته الخاصة عن عشيرة النصيري وتوابعها ضمن مؤلفاته. حيث لعبت عشيرة النصيري دوراً مميزاً في قضاء اَلِمْدَيْنَة. النصيري عشيرة تعود بجذورها إلى إمارة بني لام العربية، نزحت من مركز الإمارة في ميسان باتجاه شمال البصرة واستقرت في قضاء اَلِمْدَيْنَة. نظراً لما تمتاز به تلك البقعة من الخير الوفير من أنهار عذبه، وغابات النخيل الكثيفة، والزراعة والصيد وتربية الحيوانات. احتلت النصيري والجيبوت المقاطعتين الزراعتين (7) و(8)، إضافة إلى أراضٍ زراعية خلف سدة اَلِمْدَيْنَة – نهر الداير- وفي عمق الأهوار في أمّ السبّاح واللطلاطة والترابة وغيرها. كان لها حضور فعال ضمن حلف الصيامر العشائري كون الصفة العشائرية هي الغالبة على النسيج الاجتماعي للقضاء. دافعت النصيري عن أرض العراق بضراوة ضد الاحتلال العثماني، والانكَليزي بكوت الزين عام 1914، وضد الحكم الملكي (1921-1958) وخاصة في ثورة عام 1935 وغيرها. وقدمت القرابين سواء في الحروب الداخلية أو الخارجية وعن فلسطين، وفي الانتقاضات والثورات العارمة ضد الحكم الدكتاتوري(1968-2003) حتى انبلاج الفجر الجديد بعد عام 2003 كما أدت دورها في الدفاع عن العراق وشعبه ضد هجمات التنظيمات الإرهابية وأخرها تلبية نداء فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الأعلى السيّد عليُّ الحُسيني السيستاني ( دام ظله) ضد تنظيم داعش الإرهابي لتحرير الأراضي العراقية من دنسهم (2014-2017). كما تميزت بالتنوع الاجتماعي والفكري وقدمت العطاء في مجالات أخرى مثل الشباب والرياضة حيث بدأت بواكير انتشار لعبة كرة القدم الشعبية فيها عام 1970 وتكللت بتـأسيس فريق الخالصة عام 1975. برزت فيها الحركة الوطنية منذ النشوء كما أسلفنا كما برزت فيها الحركة الفكرية والسياسية والثقافية والآدبية والإعلاميّة والتربوية والتعليمية والعلوم الأخرى. ففي خمسينيات القرن المنصرم أو أقدم نشطت فيها الحركة اليسارية، إضافة إلى الحركة الدينية والقومية فيما بعد حتى تضييق الخناق عليها من قبل النظام الديكتاتوري السابق ورغم ذلك التضييق والخناق الممتد منذ عام 1968، نشطّت فيها حركة المملكة الثقافية- الرياضية (1997-2002) حيث وقفت السلطة الحاكمة في القضاء بكافة أجهزتها عاجزة عن فك شيفرتها كما يقال رغم ما تعرض له أتباعها وأنصارها من مضايقات أمنية ومراقبة شديدة. عادت الحركة الفكرية والسياسية والدينية والثقافية والرياضية في النصيري بعد عام 2003. نبدأ بتصفح مؤلفات الباحث الدكتور مشتاق عيدان لنخرج منها اللالئ الخاصة بالنصيري ونتناولها بصورة سريعة. ففي كتابه الموسوم (مظفر النواب والتجديد في الشعر الشعبي) الصادر عن دار ميزوبوتاميا- بغداد ، الطبعة الأولى- 1431هـ/2010م؛ وسم إهدائه إلى صديقه المقرب المرحوم ميثاق عبد الرحيم اللامي (الأبن البكر للمرحوم الشيخ عبد الرحيم لعيبي رئيس وشيخ الجيبوت) الذي علمه حب الشعر الشعبي والذي توفي بحادث عرضي. وقدم شكره الجزيل لمن سانده وشجعه على تأليف الكتاب آنفاً ومنهم السيّد مهند محسن الجابري. وفي كتابه الموسوم( اَلِمْدَيْنَة – جزائر البصرة 1546-1959 م- أبحاث في الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية) الصادر عن دار الكفيل- كربلاء المقدسة، الناشر جمعية الزهراء(عليها السلام) الخيرية في اَلِمْدَيْنَة. ففي بحثه (الأوضاع السياسية والإدارية في ناحية اَلِمْدَيْنَة1869-1920) . رغم عدم وجود إشارة صريحة لأسم النصيري في البحث لكنها جزء من اَلِمْدَيْنَة التي شهدت عدة أحداث ضد الاحتلالين العثماني والإنكًليزي، وكان للنصيري شرف المشاركة فيها كما هو معروف في تأريخ العشيرة منها سجن رئيس العشيرة ومختارها جبر بن مطر النصيري في السجون العثمانية وحتى وفاته في السجن بتهمة جمع السلاح للمجاهدين ضدهم. ومشاركة النصيري ضمن حلف الصيامر في معركة كوت الزين عام 1914 ضد الإنكَليز وقد استشهد من الصيامر 220 شهيداً كما يذكر الباحث ثامر العامري في موسوعة العشائر العراقية . حيث قدمت النصيري أربعة شهداء منهم: ( شمخي جبر رئيس ومختار العشيرة، محمد دابس الشلال، كَباشي سلمان السبتي…). وخلال عام 1920 لم تخل اَلِمْدَيْنَة من عدة مشاكل أخرى منها رفض العشائر دفع ما بذمتهم من رسوم الملاكية. وبعد تدخل معاون الحاكم السياسي في القرنة . اتفق الجميع بعد الضغط عليهم، دفع الرسوم الملاكية للحاكم السياسي. إما في بحثه (موقف عشائر ناحية اَلِمْدَيْنَة من قانون التجنيد الإجباري عام 1935) ص150-184: أشار الباحث إلى الخارطة العشائرية لناحية اَلِمْدَيْنَة للمدة(1917-1922) في الوثائق البريطانية بتقرير استخباراتي مهم يتعلق بجمع المعلومات عن العشائر فيما يخص مواقعها، عدد الرجال المسلحين فيها، عدد الأسلحة ( البنادق ) التي تمتلكها. فقد ذكر التقرير: النصيري: وتقع على الضفة اليمنى من الفرات. عدد الصرائف أو المنازل:80، الرجال المسحلون:120. أما الجيبوت عدد الصرائف: 70، عدد الرجال المسلحون:100. وعن ثورة عام 1935 أو حسب ما وصفتها وثائق العهد الملكي بـ( التمرد) ضدها. حيث تسارعت أحداثها بعد رفض العشائر لقانون التجنيد الإجباري بعد اجتماع لرؤساء عشائر اَلِمْدَيْنَة في مضيف دهر محمد جبر في عشيرة التيمار لإعلان خطط الدفاع . وقد حضره كل من مهدي الشمخي وكيل شقيقه فهد الشمخي رئيس ومختار النصيري، وحرب علي صالح مختار الجيبوت. اتفقت بعض عشائر اَلِمْدَيْنَة على التمرد والعصيان وقد بدأت علامات التمرد في 21/آب/1935، فقد سمعت دوريات شرطة اَلِمْدَيْنَة العشائر قائمين بالهوسات وإطلاق الرصاص. وأولها عشيرة النصيري. وقد امتنعت تلك العشائر عن الاستجابة لأحكام القانون واتفقت فيما بينها على العصيان وحاصرت موظفي الحكومة والشرطة في مخفر اَلِمْدَيْنَة منذ 24/آب/1935. وكان إطلاق النار على المخفر الشرارة الأولى لبدء الحركات. وقد استمرت حلقات أحداث التمرد أو الثورة حيث حدثت عدة معارك مع القوات الملكية ، لعبت فيها الطائرات دوراً كبيراً في حسمها بعد قصفها للعشائر المتمردة ومنها النصيري والجيبوت. وبتاريخ 2/أيلول/1935 تم رفع الحصار عن مخفر اَلِمْدَيْنَة. وقد انتهت الثورة أو التمرد في 10/ أيلول/1935 بعد أعلان الحكومة الملكية بيانها النهائي بإعادة الأمور إلى نصابها. وقد ألقي على عدد كبير من الشيوخ وأبناء العشائر وقد أكدت ذلك مجلة الشرق الثائرالصادرة في موسكو في العدد(4) لسنة 1935 فقد ذكرت:”… ما حدث في البصرة في صيف 1935 عندما انتفضت المناطق القريبة من مركز اَلِمْدَيْنَة، وزج نتيجة لذلك بأكثر من 50 شخصاً في السجون ولمدد مختلفة”. وقد ذكر الدكتور مشتاق بقوله: وقد سعت بعض العشائر لإخراج شيوخها عنوةً من السجن. حيث أشار في الهامش: وقد أخرجوا بعضهم من السجن، ومنهم فهد الشمخي مختار عشيرة النصيري وهم يرددون الأهزوجة ( يفهيد أول فوج علينه). وحادثة سجن فهد الشمخي مازالت حاضرة في الذاكرة ومتداولة تتناقلها وتفتخر بها الأجيال؛ عندما هب رجال عشيرة النصيري يتقدمهم الوجيه سعيد محمد دابس وهم مدججين بالسلاح وكسروا سجن مخفر اَلِمْدَيْنَة وأخرجوا رئيسهم فهد الشمخي وهم يحملونه على الأكتاف ويرددون الأهزوجة الشهيرة( يفهيد أول فوج علينه). في كتابه الموسوم (محطاتٌ من تراث وتأريخ قضاء اَلِمْدَيْنَة- صورة ومقال) الصادر عن منتدى الجزائر الثقافي- البصرة، الطبعة الأولى-1445هـ -2023م. أو الطبعة المزيدة الصادرة عن منتدى اَلِمْدَيْنَة الأدبي –البصرة، الطبعة الأولى -2025م. ففي مقالته( زراعة الرقي والبطيخ والطماطة في أهوار قضاء اَلِمْدَيْنَة ) يذكر الباحث أنَّ زراعة الرقي توسعت متوغلة في داخل الأهوار حتى أصبح إنتاجه تجارياً. وهنا يتحدث الباحث بصورة عامة عن الزراعة في اَلِمْدَيْنَة، وكانت النصيري وتوابعها في الأهوار في المقاطعات الزراعية أمّ السبّاح والترابة واللطلايطة وغيرها تكثر فيها زراعة الرقي والبطيخ والطماطة واللوبياء والباميا . وذكر الباحث أنّهُ في الموسم الزراعي لعام 1977-1978 لوحده صُدرَ من محصول الطماطة (834،879) طن إلى المركز التجاري في الكويت. ولكن في حدود الثمانينات من القرن المنصرم تقلصت وبدأت بالانخفاض حتى اختفت تلك الزراعة نهائياً بعد عمليات التهجير القسري من قبل النظام الحاكم بدءاً من سنة 1988. وقد تم تهجير(111) عائلة من النصيري. وفي مقالته ( زراعة النخيل في قضاء اَلِمْدَيْنَة 1980) فقد ذكر الباحث أيضاً بصورة عامة أنَّ عدد أشجار نخيل اَلِمْدَيْنَة وناحيتيه( طلحة – الهوير) بلغ(596،528) ألف نخلة وبنسبة 8،65% من المجموع الكلي لنخيل البصرة حسب دائرة الإحصاء الزراعي التابعة لوزارة التخطيط لعام 1980. وقد احتل قضاء اَلِمْدَيْنَة المركز الأول في إنتاج تمور الجبجاب في العراق. ويوجد في النصيري وتوابعها أكثر من عشرين ألف نخلة. وتشكل مصدراً اقتصادياً مهماً لسكانها. ولكن هذه الأعداد والمكانة انحسرت تدريجياً حتى انتهت في أغلب المقاطعات الزراعية في اَلِمْدَيْنَة رغم المحاولات التي تجري هنا وهناك لإعادة تلك الغابات إلى سابق عهدها.

شاهد أيضاً

السعد يترأس اجتماع لجنة السكن لمتابعة ملف توزيع أراضي موظفي ديوان محافظة البصرة

الاضواء / بغداد / خاص عقد معاون محافظ البصرة لشؤون دوائر العمل والشؤون الاجتماعية ورئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.