الرئيسية / آراء حرة / احياء الكلمة المقتولة – عارف المحمودي وكتاب “هزيمة حزيران 1967م الحقيقة كما هي”

احياء الكلمة المقتولة – عارف المحمودي وكتاب “هزيمة حزيران 1967م الحقيقة كما هي”

كتب: امجد حميد – العراق

كل انسان يمتلك هاجساً فطرياً يبدأ من لحظة بكائه لمفارقته امان رحم امه الى ان ينام في امان رحم الارض في لحده, وهذا الهاجس هو (الحقيقة). والمفارقة ان في كل مراحل حياته يبحث عن ملء شهوة هذا الهاجس وما هو ببالغها, فهي كلمة واحدة كامنة في صحراء النقلة والكتبة والمحدثين والحاضرين والميتين.

الا ان وسط هذه الكثبان الرملية, يكتشف الانسان في الوقت نفسه النجوم التي تدله طريق الحقيقة, اما بما عاشوه او شاهدوه او نقلوه, تاركين, ببطولة ومعركة نفسية مصيرية, عواطفهم وانتماءاتهم, ليصل الينا, نحن الباحثين عن الحقيقة, ما عاشوه باقل شوائب ممكنة. فالحقيقة يا اعزائي هي كالذهب, لا يمتلك شكله الذي نراه دون الشوائب التي تجعله متماسكاً متلألاً امام عيوننا. واحد هذه النجوم الذي اطل علينا باحياء حقيقة مقتولة بين شعوبنا هو الاستاذ عارف عبدالواحد المحمودي وكتابه “هزيمة حزيران 1967م الحقيقة كما هي .. الاسباب والنتائج.” وما هذه المقالة سوى تكريمِِ لجهوده وتلخيصِِ لها لمن سيقرأ كلماتي لنشارك بطاقتنا المتواضعة لاحياء الكلمة المقتولة وبالابواب المذكورة تباعاً.

الباب الاول: الوجود العربي اليهودي, العراق نموذجاً

ان فهم الجذور اليهودية في الارض العربية مهم جداً لمعرفة حجم الازمة التي بدات تظهر طيفها في المواجهة العربية الاولى سنة 1948م وهزيمة الجيوش العربية امام مجموعات مرتزقة وميليشيات. هذه الهزيمة التي كانت تدور احاديثها المشؤومة وانكساراتها في حديث من عاصروها, فيسمعها ابناؤهم ليبنوا على هذا الالم املاً بيوم يكون فيه نصرٌ محققٌ امام هذه الكذبة التاريخية التي اغتصبت ارضنا العربية. “وقد كتب لاحد هؤلاء الابناء ان ينقل لنا هذا الشعور الشعبي المدفون وهو الاستاذ عارف عبدالواحد المحمودي, اذ ادرك منذ صباه ذلك وهو يستمع لاحاديث ابيه وهو يتكلم مع من حوله, لتصبح فيما بعد شهادة مؤجلة لهذا اليوم (انظر: هزيمة حزيران 1967م الحقيقة كما هي .. الاسباب والنتائج, المحمودي, عارف عبدالواحد, مؤسسة ثائر العصامي, ص7).”

ومن هذا المنطلق, فان الكثير من هذا الجيل لا يدرك حجم الديانة اليهودية وكثافتها البشرية في ربوعنا العربية, ومنها العراق الذي كان اليهود يمثلون شريحة مجتمعية كبيرة:

كان عدد اليهود في بغداد ربع سكان العاصمة العراقية في اوائل الاربعينيات من القرن الماضي ولهم نسبة سكانية عالية في البصرة والموصل وهما من اكبر المدن العراقية وكانوا في عيش رغيد ورفاه اجتماعي ومساهمة فعاله في الاقتصاد العراقي ولاسيما التجارة الداخلية والخارجية حتى تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948م وهجرتهم التدريجية والجماعية بعد تدبير تفجير ارهابي عام 1951م من تدبير منظمات صهيونية ارهابية كانت العقل المدبر لهذه التفجيرات شلومو هليل.” (نفس المصدر, ص35)

وهنا تكمن الحقيقة التاريخية التي تفند اكذوبة الوطن اليهودي الصهيوني, فقد عاش معنا اليهود لالاف السنين ولم يحتاجوا الى وطن يعزلهم عن ارثهم وحياتهم التي عاشوها معنا. لكن وكما نحن نفتقد ادراك هذا الاس التاريخي من ماضينا, لم يدركها حكامنا وهي اقرب الى حاضرهم من حاضرنا. وكان تكلفة ذلك هو اننا خسرنا ارضاً لم يخسر احد بقدر حجمها غيرنا وبفترة قياسية لم تكن حتى في احلام عدونا تحقيقه وهو ليس سوى مجموعة منبوذة من الغرب عمرها لا يتجاوز العقدين في هذه الارض. (نفس المصدر, ص 144)

الباب الثاني: هزيمة ام نكسة؟

من سوء حظ شعوبنا انها لم تدفع ثمن الحرب فقط بل ثمن عدم الاعتراف بنتيجتها, فتم اظهارها وتشكيلها على الفاظ اخف و اكثر وردية لكي لا تجرح السمعة التاريخية لمسببي الخسارة الكبيرة. فما زال العرب, جيلاً بعد جيل, يروي نتيجة هذه الهزيمة ويلصق مفردة شاحبة وهي (النكسة) كتعبير تم ايجاده ليكون بديلاً حاضراً ومستقبلياً للحقيقة الحادثة وهي انها هزيمة منكرة.

وقد يسأل اهل الحاضر عن مدى استطاعتنا او تصديقنا بان كذبة النكسة هي البديل الفوري الذي اوجده الكيان السياسي المصري ليحل محل حقيقة الهزيمة وصراحة لفظها, فنجد اجابة هذا السؤال في شهادة من عاصر هذه الحقبة وكان جزءاً من هذا المجتمع المتأمل بتلك الجيوش والحرب:

كنت اصرخ من أعماقي واقول: يا الهي ماذا جرى لمصر وجيش مصر وشعب مصر, هل هزمت مصر حقاً ؟؟؟؟ لا لا .. أمر لا يصدق أمر جلل لا يصدقه العقل والمنطق.. هزمت مصر عسكرياً اما عدو صغير في الارض والسكان والتاريخ .. نعم نعم هي الحقيقة المرة هزمت مصر لكن يصعب علي قولها لانها مرة بطعم العلقم.” (نفس المصدر, ص 34)

هذا هو شعور الكاتب في تلك الفترة, وهو ما يثبت ان الشعور العام من اصغر عربي الى الرئيس جمال عبدالناصر كان مدركاً ان ما حدث هو هزيمة منكرة لا مبرر لها سوى القصور وغياب الكفاءات العسكرية والسياسية وترك الادارة بيد مسؤولين عديمي الخبرة والتنظيم وهمهم شهواتهم والادهى هو عدم اتباع التعليمات الحازمة التي اعطاها اعلى سلطة في الدولة حتى وصلنا الى هذه النتيجة:

اي عقلية عسكرية حمقاء بائسة التفكير تتحمل كارثة هزيمة حزيران ؟؟؟ توجيه وانذار من اعلى مسؤول في الدولة يحذر عن يوم وساعة الصفر لهجوم العدو وقائد الجيش يذهب ليلقي محاضرة لا معنى لها بين قاداته في ساحة حرب وفي احتفال كرنفالي اسطوري وتفخيم وتعظيم لذاته من قبل قادة القوات المسلحة عن كيفية انتشار القوات البرية والجوية وتفقدها في سيناء وبينما هو يحلق في سماء سيناء بخيلاء وتبختر كأنه طير رنام حصل المحذور ونزلت الطامة الكبرى طائرات العدو تحوم فوق رأسه المملوء غروراًُ وعنجهية وكانت صحوته من المفاجئة بعد فوات الاوان.” (نفس المصدر, ص 60-61)

وهنا تبرز اهمية كتاب الاستاذ عارف المحمودي, اذ احيا الكلمة التي قُتِلَت في زمنه ومازالت مقتولة الى اليوم, من عنوان الكتاب وحتى التفاصيل المذكورة المرتبطة بهذه الكلمة بشكل مباشر وغير مباشر. ان احياء الكلمة المقتولة هذه هي المحطة التي يبدأ منها مشوار فهمنا لكواليس هذا الحدث وما قبله وما بعده, وما دون هذه الحقيقة لن يكون مسعانا لفهم ما سبق سوى وهم وعبث.

الباب الثالث: نقطة الضعف العربية

لكل اخفاق اسبابه, وفهم الاسباب هو بداية صنع التغيير وتحقيق النصر. فما شكلته التغييرات السياسية في منتصف القرن المنصرم هو الاساس الذي انطلقت وتراكمت منه واقعة الهزيمة. وهو بدوره تمثل كنقطة ضعف عربية حققت هزيمته.

ان الجمهوريات الجديدة التي ولدت بعد الثورات الشعبية والانقلابات العسكرية تمثلت في وجه عملتها الاخر بصعود شريحة كبيرة ضعيفة وغير كفوءة للعمل السياسي. مما ادى الى ازاحة او ابطال فرصة وجود الكفاءات المناسبة في المناصب السياسية والادارية والعسكرية وتحقيق واجبهم المنوط بهم. وكان اكبر مثال يرشدنا اليه المحمودي هو المؤسسة العسكرية المصرية وعلى رأسها المشير عبدالحكيم عامر, اذ لم تكن رتبته المستحقة في الجيش سوى رائد حتى عام 1956م, فوجدناه استلب اعلى رتبة في الجيش المصري والعالم وهي رتبة المشير بعد حرب السويس. ولم يكن وحده بل هو المثال الابرز في الجانب العسكري انذاك. (نفس المصدر, ص65)

هذا على الجانب العسكري, اما الجانب الاداري والسياسي فالكاتب يدلنا ايضاً على مثل هذا الاشكال السياسي. ويستدل المحمودي ببساطة بالمقارنة بين وزير الخارجية المصري والمتمثل برأس الدبلوماسية في الدولة محمود رياض, وهو ابن المؤسسة العسكرية ايضاً, وبين نظيره الاسرائيلي ابا ايبان من الناحية الدبلوماسية وفهم الاخر والتاثير الدولي. (نفس المصدر, ص66)

ان غياب الكفاءات في المراكز السياسية والعسكرية الحساسة سينتج عنه غياب الواقعية والتنظيم والقرار الحكيم. فيستشهد المحمودي بمقارنة شخصيتين ايضاً يحملان نفس المنصب من الطرفين, المصري والاسرائيلي, ليثبت حقيقة التاثيرات التي اوصلتنا الى الهزيمة:

اما مدير المخابرات البريغادير مائير عاميت الذي كان ينقل المعلومات عن تحركات الجيوش العربية ودعمها لمصر وسوريا والاردن وكانت تحذيراته واضحة وصريحة ودقيقة على خلاف ما ينشره غريمه المصري اللواء محمد صادق مدير المخابرات المصرية الذي زود القوات المسلحة المصرية بمعلومات مضللة وكاذبة منها ان طائرات العدو مدى عملها 300كم ولا يتجاوز منطقة القناة وارسلت تقريرا قبل يومين من العدوان ذكر فيه ان صلابة الجبهة العربية ستجبر العدو على التفكير بالعواقب الوخيمة المترتبة على هذه الحرب ادت الى خسارة الجيش المصري الحرب.” (نفس المصدر, 74)

من هنا نفهم كيف كانت الهزيمة نكراء وسخيفة الاحداث ومهينة, اذ خسرنا اسطولاً عربياً كاملاً من الطائرات في ساعات معدودة وبطريقة غير مسؤولة, وقد دفع عبدالناصر ثمن هذا التقصير وغياب الكفاءات قبلنا بالرغم ان الثمن الاكبر وقع علينا:

واصبحت المؤسسة العسكرية المصرية حكراً للمشير عبد الحكيم عامر واعضاء مكتبه حيث تقام الليالي الملاح والانس والسهرات في كل نادي فيه خمر وقيان حتى مطلع الفجر بعيدة عن سلطة الرئيس جمال عبدالناصر الذي لا يستطيع ان ينقل او يحاسب ضابطاً الا بموافقة المشير وفي اغلب الاحوال لا ينفذها ويعتبر تدخل عبدالناصر فيها امرا غير مقبول حتى جرد الرئيس جمال عبدالناصر من كافة الصلاحيات التي تخص الجيش المصري التي يحكمها ضابط صغير برتبة رائد نزى على اعلى رتبة في الجيش المصري وهي رتبة المشير.” (نفس المصدر, ص48)

بالتاكيد ان هناك اسباباً اخرى ادت بنا الهزيمة, الا ان ما ذكره المحمودي هو أُم الاسباب. وما كان على هذا الكيان السياسي المهزوم سوى ان يستخدم الالاعيب المعتادة تاريخياً لكي يتقي غضب وسخط شعبه. فما كانت هذه الاداة سوى الزيف الاعلامي والخطاب السياسي الرئاسي المصاغ للعاطفة الشعبية.

الباب الرابع: الاعلام كذبة السلطة للشعب

لطالما كان الاعلام السياسي هو اللسان الذي يقول ما تريد السلطة قوله لشعبها او لشعوب العالم. وكلما زاد تصديق الشعوب, او مدى اجبارها على التصديق, زادت بلاهة وسذاجة ولامصداقية القول الذي يصدر من هذا الاعلام.

وهنا تبدأ مهمة التاريخ وكاتبه, اذ يجب ان يبرز الحالة الحادثة العامة في الزمن والتاريخ الذي يتكلم عنه بنصه الكامل او بتصرف منقول. وهذا ما فعله المحمودي حين قام بوضع اهم الدعامات الاستدلالية على هذه الحقبة التاريخية حين قام بنقل البلاغات الحربية التي تم اصدارها من الاعلام المصري والبالغ عددها 35 بلاغاً موزعة على ايام الحرب ليكشف حجم الكارثة التي نعيش فيها:

اظهارا للحقيقة والتاريخ والاجيال القادمة حتى تتعرف على حقيقة زيف الاعلام العربية وخديعة الشعب العربي على امتداد الارض العربية اثناء الحرب والمعارك المصيرية وكيف استخفت هذه الاجهزة الاعلامية المسيرة من قياداتها الحاكمة بعقول الامة من خلال تضليل اعلامي مزيف للحقائق من بعد اكتشاف الهزيمة المذلة لكرامة الامة العربية وخيبة الامل في قيادة البلاد وقيادته العسكرية لذا ادرج هذه البلاغات الحربية كما في نصوصها ليطلع عليها القراء الكرام ليروا التدليس والخداع وعدم احترام المتلقي لاحداث خطيرة تهم الارض وامن المواطن العربي بدلا من الكذب عليه ولو الى حين.” (نفس المصدر, ص 82)

ومع اطلاع القارئ والباحث على هذه البلاغات والتمعن في خطاب تنحي الرئيس جمال عبدالناصر سيدرك مدى ازمة المصداقية المبنية بين الحكومات العربية وشعوبها. لقد عاشت امة كاملة على بلاغات في قلب احداث الحرب بعيدة كل البعد عن حقيقتها وما يحدث فيها وبطريقة مبالغة تتعامل مع العقل العربي على انه عقل ساذج يصدق اللامنطقي من الكلام المنقول. وهذا ما يبرزه البلاغ الرابع من اليوم الاول من الحرب وتعليق المحمودي عليه:

بلاغ رقم 4: (منذ لحظات وقع اشتباك بين قواتنا وقوات العدو في خان يونس ولم يستطع العدو اقتحام مواقعنا هناك كما وقع اشتباك بري على طول الحدود وحاول العدو الهجوم على قواتنا الامامية في سيناء ولكنه لم يستطيع اختراق اي موقع لنا وان اجمالي الطائرات التي اسقطت للعدو حتى الان 44 طائرة وسقطت طائرتان من طائراتنا والطياران سليمان.) هذا البيان يشير الى ان العدو بدأ بهجوم بري وهو هجوم حقيقي واما اسقاط الطائرات مبالغ فيه.” (نفس المصدر, ص 84)

من ذا عقلٌ سليمٌ سيصدق ان حرباً عمرها ربع يوم كلفت 44 طائرة من طرف امام طائرتان من الطرف الاخر والادهى انهم سليمان؟! هذه الاكاذيب التي جعلت العرب يفرحون وينامون رغداً منتظرين صباح النصر والتحرير, فما استيقظوا الا على كابوس الهزيمة.

الباب الخامس: المحمودي والنقد التاريخي للحدث (يتضمن البلاغات الحربية)

لا تقتصر مهمة المؤرخ في سرد الاحداث وكيفية المامه وتجميعه للمصادر الموثوقة والقصص التي مرت على سمعه فقط, بل تقع على عاتقه اهمية اعطاء نقده ورأيه لما عاصره او ما يسرده ليترك لمن يقرأه الحكم على الحدث وناقله, وربَّ رأي مؤرخِ كان المصداق المختوم لتأريخه وسرده.

وما كان هذا الكتاب الا الشهادة الحقة على المحمودي اذ قام بتوثيق هذه الحرب بشعور شعبها وحكومتها تارةً وشعوره تارةً اخرى. واحد ملاحظاته المهمة كانت متمثلة بقوة الترابط والتواصل في الهيكل السياسي, الذي لم يكن يرتقي للمستوى المتوقع والمقبول بل حتى الادنى:

ومن خلال مطالعتي للاحداث المصرية لاحظت التنافر والتنابز واللمز وعدم الاتوافق بل التناحر والكيدية والايقاع بين هذه القيادة العسكرية والسياسية وان كان اغلب القيادة السياسية اصولها ترجع للمؤسسة العسكرية المصرية وحتى التخاطب بينهم لم يكن من اللياقة والكياسة والادب بل كان التنابز باد للمتتبع الواعي من خلال الرسائل قبل وخلال هزيمة حزيران.” (نفس المصدر, ص 50)

علاوةً على ذلك, كان تحليل خطاب التنحي للرئيس جمال عبدالناصر مهماً ليكن لهذا الجيل قبس وعي له لاهمية فهم الخطاب السياسي وكلماته الثعلبية, فكما خلقت تلك الاذان الصاغية في زمن الخطاب فقد خلقت نفس الاذان اليوم التي تسمع مثله:

المطلوب من العدو ان ياتي من الشرق والشمال كما يريد سيادة الرئيس وعلى مستوى عالي او متوسط الارتفاع وكأنه لم يسمع ويعلم وهو ضابط ركن كفئ ومشارك في كل الحروب مع العدو ان الحرب خدعة وانه تحدث عن اشتراك امريكا وبريطانيا في الحرب وهذا محاولة منه لتهوين الهزيمة وان العدو ليس بامكانه ان يهزم مصر بمفرده واثبتت الاحداث والوقائع عدم اشتراك الدولتين في المعركة وان سلاح الجو للعدو وحده من قام بتدمير الطائرات المصرية على الارض وتخريب القواعد الجوية ومحطات الرادار ومدارج الطائرات وتحويلها الى ركام وحديد منصهر.” (نفس المصدر, ص 126)

وهذه هي الحقيقة المرة, ان شعوبنا تم الضحك عليها من قبل حكامها. فان لم نقم بتحليل كل كلمة تم القاءها علينا فلن نصنع التغيير والحرية يوماً ابداً.

الباب السادس: الدرس من الهزيمة

لقد انتهت الحرب من ست عقود, لكننا لم ننتهي. فما زلنا في هذه الارض التي صنعت من ترابها طيتنا وطينة اجدادنا. فان وضع اليد على الخد وتأمل خيبتنا لن يحررنا ايضاً, بل التعلم من دروس الهزيمة وعدم تكرارها هو ما سيصنع الانتصار الموعود والتحرر المنتظر.

فالخطوة الاولى من هذا الدرس هو ان رغم كل ما حدث, فان التخاذل لم ياتي من شعوبنا, لا في فترة الحرب ولا ما سبقها ولا ما تلاها, بل من حكامه. فما كان شعبنا العراقي الا المثال الاكبر والابرز الذي اثبت في كل الحروب التي خضناها امام اسرائيل او غيرهم من الذين واجهونا انه شوكة لا تنكسر في عيونهم. انه حقاً كما وصفه الاستاذ المحمودي:”نموذجاً مشرفاً للانسان العربي في كل زمان ومكان لقد دافعوا عن حبات الرمال في الصحراء.” (نفس المصدر, ص125)

هذا هو التشخيص العام للمشكلة, ان شعوبنا تمتلك من الارادة والقوة ما ينهي الوجود الاسرائيلي بكل المقاييس والاداوت الشعبية والعسكرية. ففقدان القيادة الحكيمة والكفاءات السياسية المطلوبة هو الذي يجب ان تعمل عليه شعوبنا وحكوماتنا لتحقيق ذلك كدرس مهم في الحرب. وهذا ما اكده المحمودي في سرده احد النكات العسكرية المروية من قبل الكادر الذي خاض الحرب وينقدها:

وكان الفريق فوزي رئيسا للاركان المصرية اثناء هزيمة حزيران 1967م ذكر ان الطائرات الحربية المصرية يفوق عددها على عدد الطيارين بنسبة واحد الى اثنين وربما اكثر وهذه ادانة منه لنفسه كيف يحدث هذا الخلل واين العلاج وهنا يطرح سؤال لابد منه اين دورك كرئيس اركان الجيش؟؟ واين دور قائد القوة الجوية والدفاع الجوي؟؟ وماذا كانت تخرج سنوياً كلية القوة الجوية المصرية من الطيارين؟؟” (نفس المصدر, ص 54)

على الجانب الاخر, لا يكفي ان نوصم كل الحكام العرب بالتخاذل والقصور ونحملهم ضريبة الهزيمة. فالامانة التاريخة تخضعنا للاعتراف بالقيادات والشخوص الذين اثبتوا موقفهم في القضية وتعلمهم الدروس السياسية التي نتجت من هذه الحرب. واحد هذه الشخصيات هو هواري بومدين رئيس الجزائر انذاك, اذ كان دعمه الكامل لعبدالناصر هو الدليل الامثل لقوميته وعروبيته وشجاعته. ولا تقتصر اسهامات بومدين في هذا الجانب بحسب نظر المحمودي, بل تكمن في فهمه وادراكه الواقع السياسي الذي ترتب في نتيجة الحرب وكيف كشفت اوراق قوى العالم تجاهنا, وعلى راسها الاتحاد السوفييتي الذي غدر بنا. فما كان ذلك الا درساُ لحكامنا الذي كان بومدين احدهم حين تعلمه, فمسؤولية الحاكم هي ان يكون صريحاًً مع الصديق والعدو, ولا يجامل الصديق الذي غدر به وخانه ويضعه في مكانته التي يستحقها. (نفس المصدر, ص 144)

لا يقف الموضوع عند هذا الحد, بل يجب, بحسب نظرة المحمودي النقدية, ان نقدر سوء تقدير واخفاقات وقصور الحكام المتسببين في الهزيمة, وعلى راسهم جمال عبدالناصر:

رغم كل الاخطاء التي حدثت في عهده داخلية من تسلط وسجون وتسقيط وشراء ذمم او خارجية بتامره على البلدان كان عبدالناصر يتطلع الى الامة العربية وشعوبها ان تكون بمصاف الامم الراقية وتقدم نموذج حضاري يليق بها بين الامم ورغم تامره على الحكام العرب ومنهم الزعيم الوطني العراقي عبد الكريم قاسم الذي قاد ثورة وطنية كبيرة احدثت تغييرات في المجتمع العراقي الا انه يقدس الامة العربية ويعتبرها عمقه الاستراتيجي ولم يرتبط بجهة معادية لها ولم يخن الامانة الوطنية والقومية وهو في مهاوي الضعف والخور مات واقفا مطعونا من الشلل والكتل في مؤسسته العسكرية وخلافاته مع الانظمة البدوية المتخلفة ولم ينحني ويستسلم للعدو وهذه كافية لتغفر له من اخطاء وهفوات كان له ان يتجاوزها بسلام وهدوء دون صدام مع الاخرين المتربصين به.” (نفس المصدر, ص 134)

اقول اننا نختلف مع الاستاذ المحمودي في ذلك رغم ان ما قاله واقعي وصحيح. الا ان ليس كل ما في السياسة يحمل تفسيراً محايداً ومناطق نقدية رمادية. فالوفاء للوطن وعدم بيع الذمة للاعداء والوقوف لجانب الخصم هي واجب لا منّة يفعلها الحاكم لشعبه, وان ثمن هذه الهزيمة ندفعه الى اليوم في رقبة عبدالناصر وكل ما نتج من الهزيمة, سواء ارتبط به بشكل مباشر او غير مباشر, يتحمله هو في المقام الاول. فلو كان هناك انتصار بدل الهزيمة لذكر التاريخ والناس عبدالناصر لا الجندي الذي حارب في المعركة, لذا ما يسقط على الحاكم في الانتصار يجب ان يسقط عليه في الهزيمة ايضاً.

الخاتمة

ان طريق تحرير فلسطين ما زال طويلاً, لكن الطريق وسالكيه والدالّين عليه ما زالوا موجودين وسيبقون حتى منتهاه. فالطريق هو الاعتراف بهزيمتنا واسبابها وبدون الفاظِِ مخففة سخيفة كـ”النكسة” وغيرها  واخذ العبر والدروس منها, واما سالكوه فهو نحن الشعوب العربية الجياشة بعددها وعدتها وعقلها وقلبها وايمانها وقوميتها وارثها الحضاري والفكري والتاريخي, واما الدالّون عليه فهم منثورون كقبسات نور في ظلام هذا الطريق الحالك وذلك النجم الشمالي خليل المسافرين وسط السماء القاحلة, وما الاستاذ عارف عبدالواحد المحمودي الا ذلك القبس وذلك النجم الذي سيكون دليلاً لجيلنا والاجيال القادمة حتى نحقق انتصارنا المنتظر, وهو تحرير فلسطين التاريخية من البحر الى النهر.

شاهد أيضاً

الجرائم المرتكبة والحوادث المرورية المستمرة في العراق

بقلم: علاء عبد طاهر فلحي يعيش العراقي اليوم بين خبرين لا ثالث لهما، خبر جريمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *