كتب : رياض عبد الواحد
المقدمة:
تنهض قصيدة (سنوات عبر زجاج الورّاق) على خطاب رثائي لا يتعامل مع الموت بوصفه خاتمةً وجودية بل بوصفه لحظةً لإعادة إنتاج الشاعر الراحل داخل اللغة. فالقصيدة لا تستعيد حسين عبد اللطيف كشخصية تاريخية إنما تعيد تشكيله بوصفه علامة ثقافية تتوزع بين الذاكرة والمجاز والأسطورة. ومن هنا تغدو اللغة أكثر من وسيلة للتعبير، إذ تتحول إلى فضاء تتنازع فيه الدلالات وتتقاطع فيه الأزمنة وهو ما يجعل النص قابلاً لقراءة تفكيكية تكشف تناقضاته الداخلية، ولقراءة تداولية تبحث في مقاصده التواصلية وأفعاله الكلامية وسياق إنتاجه.
تحليل النصيص لغوياً وبنيوياً
(سنوات عبر زجاج الوراق)
يتكون النصيص من أربع وحدات معجمية:
سنوات: اسم نكرة جمع، يحيل إلى الامتداد الزمني.لكنه لا يحدد زمناً بعينه، مما يفتح أفق التأويل.
عبر: حرف يفيد العبور والاختراق والانتقال، وهو ليس ظرفاً مكانياً فقط، بل فعل حركة دلالية.
زجاج: مادة شفافة لكنها حاجزة في الوقت نفسه، تجمع بين الرؤية والمنع.
الوراق: تحيل إلى الورق والكتابة والكتب، كما تحيل ضمنياً إلى شخصية حسين عبد اللطيف الذي عاش داخل الكتابة.
إذن فالنصيص لا يقول إن السنوات مرت لكن إنها تعبر زجاج الوراق، أي أن الزمن نفسه يصبح مرئياً بواسطة وسيط شفاف هش هو الشعر.
بنيوياً يقوم النصيص على ثنائية:
الزمن / المادة
ويقيم علاقة جدلية بينهما ، فالسنوات مجردة، بينما الزجاج محسوس، مما يولد استعارة كبرى تجعل الزمن شيئاً يمكن أن يمر داخل مادة قابلة للكسر.
وهنا يبرز ما يسميه جاك دريدا بـ(اختلاف الدلالة) ، إذ لا تستقر كلمة واحدة على معنى واحد إنما تؤجل معناها باستمرار.
القراءة التفكيكية للنص :
لا يبحث المنهج التفكيكي عن المعنى النهائي بيد انه يكشف التشققات التي تنتج المعنى.
تبدأ القصيدة ا:
(منذ التكوين
والمقاهي خلفت
حقيقته جراحاً)
يحيل التكوين إلى البداية المطلقة، بينما المقاهي تحيل إلى الحياة اليومية.
كيف يمكن للمقهى أن يخلف (حقيقة)؟
إن العلاقة هنا غير منطقية إذا قرئت قراءة مباشرة لكنها تصبح ممكنة إذا اعتبرنا المقهى فضاءً لإنتاج الهوية الشعرية.
فالجرح هنا ليس أثراً للألم لكنه أثر للكتابة.
ثم يقول:
(والفارغات
التي عاشها بهدوء
ملئت جيوبه فزعاً)
يتجاور هنا الضدان:
الفراغ
الامتلاء
فالفراغ يمتلئ لكنه يمتلئ بالفزع.
إن القصيدة تهدم المنطق الثنائي التقليدي، فالفراغ لم يعد نقيض الامتلاء غير انه أصبح شكلاً آخر له.
وهذه إحدى أهم آليات التفكيك.
ويقول:
(لم يملك سوى
فانوس دون زجاجه)
الفانوس وظيفته إنتاج الضوء.
لكن غياب الزجاج يجعل الضوء مستحيلاً.
إذن الشاعر يمتلك وسيلة الإضاءة لكنه محروم من شرطها.
وهنا تنشأ مفارقة وجودية:
امتلاك الشيء يعني فقدانه في الوقت نفسه.
ويقول:
(والليالي التي قطعها بالسهر
تعثرت بخطاه)
عادة الإنسان يتعثر بالطريق.
أما هنا فالطريق هو الذي يتعثر بالشاعر.
لقد انقلبت العلاقة بين الذات والعالم.
ولذلك يصبح الشاعر مركز الجاذبية الدلالية.
ومن أجمل المقاطع:
(كان الظل
عند نافذته)
الظل عادة تابع للجسد.
لكن الجسد غائب.
فالقصيدة تبقي الظل وتحذف الأصل.
إنها تستبدل الحضور بالأثر.
وهذا ما يسميه دريدا (ميتافيزيقا الأثر)
ثم يقول:
(ولما افترش ظله
صادروه عند الأفول)
كيف تصادر الظلال؟
المصادرة هنا ليست قانونية.
إنها مصادرة الوجود نفسه.
فالقصيدة تجعل السلطة قادرة حتى على سلب الظل.
وهذا يضاعف المأساة.
ويصل النص إلى ذروته بقوله:
(وحين أبصرته في مرآتي
أراني تاجه على رأسي)
هنا تنهار الحدود بين:
الراثي
المرثي
فالمرآة لا تعكس صورة حسين.
بل تعكس الشاعر نفسه وهو يرتدي تاج حسين.
لقد أصبح الراحل يسكن الأحياء.
إن الهوية لم تعد فردية
بل صارت متوارثة شعرياً.
القراءة التداولية للنص ؛
تبحث التداولية النص بوصفه فعلاً تواصلياً.
وقد كتبت القصيدة في مناسبة تأبينية، لذلك لا يمكن فصلها عن مقامها.
فالقصيدة تؤدي عدة أفعال كلامية.
أولاً: فعل التكريم
مثل قوله:
(منذ العصور وأرواحنا
تسكن شجر الآس)
فالآس رمز الخلود.
ولا يخبر الشاعر عن حقيقة.
بل ينجز فعل تمجيد.
ثانياً: فعل الاستدعاء
يقول:
(لنرقب بعينيك
ما تبقى على الطرقات)
الضمير هنا يكشف أن الشاعر يخاطب ميتاً
وهو يعلم أنه لن يجيب.
إذن الوظيفة ليست طلباً حقيقياً.
بل إعادة إحياء رمزية للراحل.
ثالثاً: فعل الاعتراف
حين يقول:
(أراني تاجه على رأسي)
فإن المتكلم لا يصف نفسه.
بل يعترف بأن الإرث الشعري انتقل إليه.
إنه إعلان انتماء إلى مدرسة حسين عبد اللطيف.
رابعاً: الأفعال الإنجازية الضمنية
لا تقولالقصيدة:
(كان حسين عظيماً.)
لكنها تنجز هذا المعنى عبر الصور.
فالإنجاز هنا غير مباشر.
وهذا ما يسميه جون سيرل بالفعل الكلامي غير المباشر.
رابعاً: البنية الزمنية
يتحرك الزمن عبر ثلاثة مستويات:
الماضي
(منذ التكوين)
الحاضر
(لنرقب)
المستقبل الرمزي
(أراني تاجه على رأسي)
أي إن الشاعر الراحل سيستمر عبر الآخرين.
وهكذا يصبح الزمن دائرياً لا خطياً.
خامساً: البنية الرمزية
أبرز الرموز في النص:
المقهى: فضاء التكوين الشعري.
الفانوس: المعرفة.
الزجاج: هشاشة الرؤية.
الظل: الأثر الباقي.
النافذة: الاتصال بالعالم.
المرآة: انتقال الهوية.
الآس: الخلود.
التاج: الوراثة الشعرية.
ولا يعمل أي رمز منفرداً بل ضمن شبكة دلالية تجعل القصيدة نصاً مفتوحاً.
البنية الأسلوبية للنص :
اعتمد الشاعر على:
الجمل القصيرة.
الاقتصاد اللغوي.
حذف الروابط المنطقية.
كثافة الاستعارة.
الانزياح التركيبي.
المفارقة.
وهذا منح النص طاقة إيحائية كبيرة، وجعل المتلقي شريكاً في إنتاج المعنى.
الخاتمة:
تكشف القراءة التفكيكية أن قصيدة (سنوات عبر زجاج الوراق) لا ترثي حسين عبد اللطيف بقدر ما تعيد إنتاج حضوره داخل اللغة، إذ يتفكك الحد الفاصل بين الحضور والغياب، وبين الأصل والأثر، لتصبح الكتابة نفسها فضاءً لاستمرار الشاعر بعد رحيله. أما القراءة التداولية فتبرز أن النص يتجاوز الوظيفة التأبينية إلى أداء أفعال كلامية ضمنية؛ فهو يكرّم، ويستدعي، ويعترف، ويؤسس لاستمرار الإرث الشعري في الوعي الجمعي. وبهذا يغدو النصيص ، كما المتن، شبكةً من العلامات المتفاعلة التي تجعل من الرثاء فعلاً لإحياء الذاكرة لا لتسجيل الفقد، ومن اللغة بيتاً أخيراً يقيم فيه الشاعر الراحل، وتغدو القصيدة شهادةً على قدرة الشعر على مقاومة الغياب وتحويله إلى حضور رمزي متجدد.
النص الاصلي
سنوات عبر زجاج الوراق
إلى / روح الشاعر حسين عبد اللطيف
منذ التكوين
والمقاهي خلفت
حقيقته جراحا
والفارغات
التي عاشها بهدوء
ملئت جيوبه فزعا
لم يملك سوى
فانوس دون زجاجه
والليالي التي قطعها بالسهر
تعثّرت بخطاه
وارتبكت طرقاته
منذ العصورِ، وارواحنا
تسكن شجرِ الآس،
لنرقب بعينيك
ما تبقّى على الطرقات
من المارة
غير مستقر
كان الظل
عند نافذته
والمساءات التي ذهب
من دونها
ترك في منافيها
بيوتا وشوارع
فدثّر أحلامه المائلة
بمعاطف من الخوف
لان الوجوه الصيفية
لا تليق للمطر
ولمّا افترش ظله
صادروه عند الأفول
فضحك من غير دموع
وحين أبصرته في مرآتي
أراني تاجه على راسي
جريدة الاضواء الالكترونية
