الرئيسية / آراء حرة / من العشرة إلى العشرين وصولاً إلى المقام, المخرج علي حديد يكتب تاريخاً جديداً للدراما العراقية

من العشرة إلى العشرين وصولاً إلى المقام, المخرج علي حديد يكتب تاريخاً جديداً للدراما العراقية

كتبت : سالي وليد

ليس من السهل أن تصنع نجاحاً… والأصعب أن تتجاوزه, وهنا تحديداً تبدأ حكاية المخرج علي حديد، الذي لم يتعامل مع كل عمل بوصفه محطة عابرة، بل كدرجة جديدة في سلّم مشروع فني واضح المعالم، يتقدم بثبات نحو إعادة صياغة شكل الدراما العراقية, في وقتٍ كانت فيه الأعمال الدرامية تدور غالباً ضمن قوالب مألوفة وإيقاعات تقليدية، ظهر اسم علي حديد بهدوء، لكنه حمل معه رؤية مختلفة. لم يكن صعوده صاخباً، بل مدروساً، مبنياً على وعي بصري ومعرفي جعل كل تجربة خطوة محسوبة في مسار طويل.

“العشرة”… لحظة الإعلان

مع مسلسل “العشرة”، لم يكن الأمر مجرد ظهور مخرج جديد، بل إعلان ولادة صوت إخراجي يمتلك ملامح خاصة. العمل كشف عن عقل بصري يعرف كيف يوظف الكاميرا لا كأداة تسجيل، بل كوسيلة تعبير نفسي.

التوتر في “العشرة” لم يكن صراخاً أو تصعيداً مفتعلاً، بل حالة تُبنى تدريجياً من خلال التفاصيل الصغيرة: نظرة عابرة، صمت ثقيل، إضاءة خافتة، حركة محسوبة داخل الكادر. هنا برزت قدرة علي حديد على قراءة النص بصرياً، وتحويل الكلمات إلى إحساس ملموس, لم يكن المسلسل مجرد دراما عابرة، بل تجربة إخراجية قالت بوضوح إن هناك مخرجاً عراقياً لا يشبه أحداً، ولا يكرر السائد، بل يبحث عن مساره الخاص.

“العشرين”… توسيع الأفق

لكن النجاح الأول لا يكفي. التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على التطور دون الوقوع في فخ التكرار. ومع مسلسل “العشرين”، أثبت علي حديد أن مشروعه ليس وليد لحظة، بل نتيجة وعي يتراكم, وهنا اتسعت المساحة الدرامية، وارتفع سقف الطموح. الإيقاع أصبح أكثر نضجاً، والصورة أكثر جرأة، وإدارة المشاهد أكثر إحكاماً. لم يعد التركيز فقط على الحالة النفسية، بل على بناء عالم بصري متكامل، تتناغم فيه العناصر من ديكور وإضاءة وموسيقى وحركة كاميرا.

“العشرين” كان مرحلة تثبيت الاسم، وإعلان أن علي حديد لا يعتمد على ضربة حظ، بل على رؤية تتطور بثقة. هو مخرج يختبر أدواته، ويعيد صياغتها، ويبحث عن أفق أوسع مع كل عمل جديد.

“المقام”… كسر القواعد

ثم جاء مسلسل “المقام”… وهنا لم يعد الحديث عن تطور تدريجي، بل عن كسر صريح للقواعد, في هذا العمل، لم يكتفِ علي حديد بتقديم مسلسل ناجح جماهيرياً، بل أعاد تعريف شكل الدراما العراقية بصرياً وسردياً. نقلها من الإطار التقليدي إلى مساحة أقرب إلى الأعمال العالمية من حيث العناية بالصورة، والاشتغال على الإيقاع، وبناء المشهد كلوحة متكاملة.

اشتغل على الصورة كلوحة تشكيلية، وعلى الصمت كلغة موازية للحوار، وعلى الانفعال كحقيقة غير مزيفة. لم تكن الجرأة شكلية أو استعراضية، بل فكرية. كسر النمط المعتاد في السرد، وتلاعب بالإيقاع بذكاء، فخلق حالة بصرية جعلت المشاهد يشعر أنه أمام عمل يُصنع بعين عالمية لا محلية فقط, وهذا التحول ليس بسيطاً؛ إنه انتقال واضح من مرحلة الاجتهاد إلى مرحلة الريادة. من محاولة إثبات الذات، إلى إعلان القدرة على قيادة المشهد.

مشروع يتجاوز الفرد

علي حديد ليس مجرد مخرج ينجح في عمل ويخفق في آخر. هو مشروع متكامل ينهض بالدراما العراقية خطوة بعد خطوة. من “العشرة” حيث أثبت نفسه، إلى “العشرين” حيث رسّخ اسمه، وصولاً إلى “المقام” حيث أعلن بصوت عالٍ أن الدراما العراقية قادرة على أن تنافس وتصل, وفي كل مرحلة، كان هناك تطور ملموس، ليس فقط في الشكل، بل في الفلسفة الإخراجية. اهتمام بالصورة، احترام لذكاء المشاهد، وحرص على أن تكون الدراما مساحة للتجريب الواعي، لا مجرد منتج موسمي  خاصة انه تعامل مع أكبر شركات الانتاج aghdad Media Studios)  )

شاهد أيضاً

هل وصلت فرنسا إلى نقطة اللاعودة؟

كتب : بغداد / فارس آل سلمان بعد ان كانت فرنسا واحدة من أكبر خمس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.