كتبت : مريم حميد الياسري
ومعناه: اللواء حسب التقسيمات الإدارية للدولة العثمانية، وتأتي بمعنى العلم أو الراية التي تحمل في مقدمة الجيش، ولم تقتصر هذه الظاهرة على العثمانين فقط بل مارسها المسلمون في كافة ربوع بلاد الإسلامنها بلاد فارس
طلبًا للتبرك ويمثل لسان حال الجيش في طلب العون والنصرة من لله عز وجل، ولهذه المصاحف خصائص مميزة منها صغر حجمها واحتوائها على أدعية تخص الحفظ كما إنها لا تكون مصاحف كاملة يمكن أن تضم بعض آيات القرآن الكريم أو أجزاء منه أو سور معينة
فالقرآن لم يكن كتابًا يُقرأ في أوقات العبادة فقط، بل كان حاضرًا في كل الأوقات بوصفه مصدر والحماية، يرافق الإنسان في سفره وتنقّلاته، وحتى في أوقات الحرب، وكثيرًا ما تعرضت هذه المصاحف إلى النهب أو التسليب من قبل جنود الجيوش الأخرى فبعد قتل الجندي المسلم يسلب منه المصحف.
ومن هذه المصاحف هو المصحف المعروض في متحف مورغان للفنون نيويورك وينتمي هذا المصحف إلى نوعٍ من المصاحف الصغيرة جدًا التي كان يحملها الجنود أو المسافرون معهم، وأحيانًا تُعلَّق بالرايات العسكرية، ويُطلق الباحثون على هذا النوع اسم “مصاحف السَّنْجَق”Sancak Qur’ans) وهذه التسمية حديثة يستخدمها مؤرّخو الفن والمزادات، وليست اسمًا رسميًا متداولًا في الوثائق العثمانية القديمة.
فكان المصحف يُحفظ داخل صندوق معدني صغير، غالبًا مصنوع من الفضة، ليكون محفوظًا وسهل الحمل، وذلك ليقين حامل المصحف أن وجود كلام الله معه ويمنحه الطمأنينة ويقيهم الأخطار؛ ولهذا لم يقتصر استخدام هذه المصاحف على الجنود فقط، بل حملها أيضًا التجّار والمسافرون في رحلاتهم الطويلة طلبًا للبركة والأمان.
ويعود هذا المصحف إلى القرن السابع عشر الميلادي، وصُنع في بلاد فارس، وتميّز بصغر حجمه اللافت؛ إذ لا يتجاوز طوله نحو أربعة سنتيمترات فقط، ورغم هذا الحجم الصغير جدًا، كُتب النص بخط دقيق للغاية، يحتوي على ستة عشر سطرًا في كل صفحة، ما يعكس مهارة عالية في فن الخط العربي.
اتّخذ المصحف شكلًا مثمّنًا، وهو شكل له دلالات رمزية في الفنون الإسلامية، ويرتبط بمعانٍ روحية مثل أبواب الجنّة الثمانية، كما أن هذا الشكل يساعد على حمل المصحف ووضعه داخل الصندوق المعدني بسهولة. وقد جُلد المصحف من جهة واحدة فقط، بما يتناسب مع كونه مصحفًا محمولًا يُستخدم أثناء التنقّل..
أما الصندوق المعدني المرافق للمصحف، فمن المرجّح أنه صُنع في القرن التاسع عشر، أي بعد المصحف بقرون، ما يدلّ على استمرار استعمال هذه المصاحف وانتقالها من جيل إلى آخر. وغالبًا ما كانت هذه الصناديق مزخرفة بزخارف بسيطة احترامًا لقدسية ما تحتويه.
تكمن أهمية هذا المصحف في كونه شاهدًا على تنوّع أشكال استخدام القرآن الكريم في الحضارة الإسلامية. فإلى جانب المصاحف الكبيرة الموجودة في المساجد، وُجدت مصاحف صغيرة شخصية صُمّمت لترافق الإنسان في حياته اليومية، وتربط بين الإيمان والعمل والسفر.
ويدل هذا المصحف على مستوىً عال من العناية بفنون الخط في إيران خلال العصر الصفوي، حيث طُوّرت تقنيات الكتابة الدقيقة جدًا، فالخط هنا ليس مجرّد وسيلة للكتابة، بل تعبير فني وروحي في الوقت نفسه.
ويجسد مثالًا فريدًا على العلاقة العميقة بين الإيمان والفن والحياة اليومية في التاريخ الإسلام.
…………….
جريدة الاضواء الالكترونية
