الرئيسية / تقارير ومقابلات / حوارات مع المبدعين : الشاعر والقاص مبارك بن الرواء – المملكة العربية السعودية

حوارات مع المبدعين : الشاعر والقاص مبارك بن الرواء – المملكة العربية السعودية

حاوره /  كمال الحجامي

منذ أكثر من ثلاثة عقود، بدأ الشاعر والقاص والكاتب السعودي مبارك بن الرواء رحلته مع الكلمة، متخذا من الصحافة الأدبية بوابته الأولى إلى القارئ، حيث نشر أعماله في الصحف والمجلات السعودية، قبل أن تمتد تجربته إلى عدد من المجلات العربية. وكانت انطلاقته من فن القصة القصيرة، فقدم نصوصا تقوم على الإيحاء، وتلامس البعد الإنساني بلغة رشيقة ورؤية أدبية واعية، ثم أصدر مجموعته القصصية “البلابل ودموع القمر” التي شكلت محطة بارزة في مسيرته الإبداعية.
وفي السنوات الأخيرة، اتجه إلى نشر نتاجه الشعري عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقدما قصائد بالفصحى والنبطية، امتازت بجزالة اللفظ، وعمق المعنى، ورصانة البناء، مما أكسبه حضورا واسعا لدى المهتمين بالشعر والأدب. وعلى الرغم من حضوره الأدبي المتواصل، فإنه يفضل الابتعاد عن الظهور الإعلامي والمشاركات الثقافية، مؤمنا بأن قيمة المبدع تكمن فيما يكتبه أكثر مما تكمن فيما يحيط به من أضواء، وهو ما أسهم في ترسيخ تجربة أدبية مستقلة ارتبط فيها اسمه بالنص والإبداع.
في هذه الحوارية، نقترب من تجربة الشاعر والقاص مبارك بن الرواء، لنحاوره حول الكتابة، والقراءة، والنقد، وعالم النشر، ورؤيته للمشهد الأدبي، وما يتهيأ له من مشاريع إبداعية قادمة.

س1: تحضر في قصصكم صور نابضة للحياة، وتبدو الأحياء الشعبية والهامشية فضاء رحبا لذاكرة الطفولة، حيث تتقاطع التفاصيل اليومية مع التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة. كيف تنظرون إلى حضور المكان والذاكرة في بناء النص القصصي؟ :

أؤمن بأن المكان في القصة ليس مجرد إطار تدور فيه الأحداث، بل هو ذاكرة حية تحتفظ بتفاصيل الإنسان وتحولاته، ولذلك أحرص على أن يكون عنصرا فاعلا في بناء النص. أما الذاكرة، فهي المنبع الأول للإبداع، إذ تظل الطفولة بما تحمله من مشاهد وتجارب حاضرة في وجدان الكاتب مهما تعاقبت السنوات. ومن هنا جاءت عنايتي بالأحياء الشعبية والهامشية، لأنها تختزن حكايات إنسانية عميقة، وأرى أن الأدب الحقيقي هو الذي يجعل من المكان والإنسان وجهين لحقيقة واحدة، ويمنح التفاصيل اليومية بعدها الإنساني والجمالي.

س2: كثيرا ما يقال إن القراءة ليست سباقا لإنهاء الكتب، وإنما رحلة لاكتشاف المعاني واستنطاق النصوص. كيف تقرأون الكتاب؟ وما المنهج الذي تتبعونه لتحويل القراءة إلى تجربة معرفية وجمالية عميقة؟ :

لا أتعامل مع القراءة بوصفها وسيلة لاستهلاك الكتب، بل بوصفها حوارا هادئا مع عقل الكاتب وروحه. لذلك لا يشغلني عدد ما أقرأ بقدر ما يعنيني مقدار ما أستوعبه وما يتركه النص من أثر في فكري ووجداني. كثيرا ما أتوقف عند عبارة واحدة، وأعيد قراءتها مرات عدة، لأنها قد تفتح بابا لفكرة جديدة أو رؤية مختلفة.
وأؤمن أن القراءة الحقيقية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وإنما تبدأ منها، حين تتحول الأفكار إلى أسئلة، والأسئلة إلى تأمل، والتأمل إلى وعي أعمق بالحياة والإنسان. لذلك أحرص على تنويع قراءاتي بين الأدب والفكر والتاريخ، لأن الكاتب لا يبني تجربته من كتاب واحد، وإنما من تراكم معرفي وثقافي يثري رؤيته، ويمنحه القدرة على كتابة نص أكثر صدقا وعمقا وجمالا.

س3: يعتقد البعض أن كتابة الشعر أو القصة أو الرواية لحظة إلهام خالصة، بينما يؤكد كثير من المبدعين أن النص يمر بمراحل متكررة من المراجعة، والحذف، والإضافة، وإعادة الصياغة. إلى أي مدى ترون أن الكاتب هو الناقد الأول لنصه؟ وما أهمية المراجعة في الوصول إلى العمل الأدبي الناضج؟ :

أرى أن الإلهام هو الشرارة الأولى للكتابة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة نص أدبي ناضج. فالنص يولد بالفكرة، لكنه يكتمل بالمراجعة، والتهذيب، وإعادة النظر. ولهذا أؤمن أن الكاتب هو الناقد الأول لعمله، لأنه الأقدر على اكتشاف مواضع القوة والضعف قبل أن تصل إلى عين القارئ أو الناقد.
والمراجعة في نظري ليست تصحيحا لغويا فحسب، بل هي عملية إبداعية موازية للكتابة نفسها، يعاد فيها بناء الجملة، واختيار المفردة، وضبط الإيقاع، وتنقية النص من كل ما هو زائد أو أقل تأثيرا. وكثيرا ما يحتاج النص إلى مسافة زمنية حتى يقرأه صاحبه بعين أكثر موضوعية، فيرى ما لم يكن يراه لحظة الكتابة.
إن العمل الأدبي الحقيقي لا يقاس بسرعة إنجازه، وإنما بقدر ما بذل فيه من صبر وتأمل ودقة، لأن الإبداع لا يبلغ نضجه إلا عندما يلتقي وهج الإلهام بصرامة المراجعة، وتلتقي عاطفة الكاتب بوعي الناقد الكامن في داخله.

س4: يمثل الغلاف بوابة الكتاب الأولى، ويرى كثير من المهتمين أن تصميمه وإخراجه الطباعي يسهمان في تشكيل الانطباع الأول لدى القارئ. ما أهمية الغلاف في نظركم؟ وهل تؤمنون بأن الكتاب يعرف من عنوانه وغلافه قبل أن يعرف بمضمونه؟ :

الغلاف هو العتبة البصرية الأولى التي يعبر منها القارئ إلى عالم الكتاب، وهو الرسالة الصامتة التي تسبق الكلمات. لذلك أرى أن تصميمه ليس عنصرا جماليا فحسب، بل جزء من الخطاب الإبداعي، ينبغي أن ينسجم مع روح النص، وأن يثير فضول القارئ دون أن يبوح له بكل أسراره.
أما العنوان، فهو المفتاح الأول لقراءة العمل، وإذا اجتمع عنوان موح ومؤثر مع غلاف موفق، فإنهما يصنعان الانطباع الأول، ويهيئان القارئ للدخول إلى النص. ومع ذلك، فإن قيمة الكتاب الحقيقية لا يحسمها غلاف جميل ولا عنوان لافت، وإنما يحسمها ما بين دفتيه من فكر وأدب وإبداع. فالغلاف قد يدعو القارئ إلى اقتناء الكتاب، لكن النص وحده هو الذي يدعوه إلى الاحتفاظ به في ذاكرته.

س5: لكل تجربة أدبية آفاق تتجدد باستمرار. فماذا يعد الشاعر والقاص مبارك بن الرواء قراءه في المرحلة المقبلة؟ وهل هناك مشروع أدبي جديد، سواء أكان مجموعة شعرية، أم عملا قصصيا، أم رواية، ترون أنه اقترب من النور؟ :

أؤمن أن التجربة الأدبية لا تعرف محطة أخيرة، فكل عمل أنجزه يفتح أمامي أفقا جديدا للكتابة والتأمل. وما أعد به قرائي هو أن أظل وفيا للكلمة الصادقة، وأن أقدم نصوصا تنبع من قناعة فكرية وجمالية، لا من استعجال النشر أو مجاراة السائد. فالإبداع الحقيقي في نظري هو ما يبقى أثره في وجدان القارئ، لا ما يحقق حضورا عابرا.
أما على صعيد المشاريع المقبلة، فما زلت أواصل الكتابة بهدوء، ولدي عدد من الأعمال التي ما تزال في طور المراجعة والإنضاج، لأنني أؤمن أن النص يستحق أن يأخذ وقته الكامل قبل أن يرى النور. وأتطلع إلى إصدار أعمال جديدة في الشعر والقصة، وربما تتسع التجربة مستقبلا إلى فضاءات سردية أخرى، لكنني لا أعلن عن أي عمل إلا عندما أشعر أنه بلغ المستوى الذي يليق بالقارئ، لأن احترام القارئ يبدأ من احترام النص نفسه.

ختاما، نتقدم بجزيل الشكر والتقدير للشاعر والقاص مبارك بن الرواء على رحابة صدره، ونتمنى له دوام التألق، ومزيدا من العطاء والإبداع في مسيرته الأدبية.

شاهد أيضاً

جرائم النظام البعثي المرتكبة ضد زوار أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)

الاضواء / العراق / حسنين هاشم الوائلي تمثلُ زيارةُ أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام) حدثًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *