الرئيسية / آراء حرة / تجارة الفجيعة

تجارة الفجيعة

كتب رياض الفرطوسي ـ العراق

من السهل جداً أن تصنع نجومية سريعة في العراق اليوم؛ كل ما عليك فعله هو أن تفتح حساسية الناس على جراحهم اليومية، وتكتب مقالاً يعيد رصد الفضائح المالية، أو تلخص نشرة الأخبار الصباحية بأسلوب مشحون بالغضب. هذا النمط من الكتابة يضمن لك قراءات واسعة وتفاعلاً لحظياً، لكنه في جوهره لا يتعدى كونه “إعادة تدوير للألم”. إنه يبيع الناس ما يعرفونه أصلاً؛ فالعراقي الذي يكتوي بغلاء الأسعار، وانهيار التنمية، وسوء الخدمات، يدرك تفاصيل تفاصيل الوجع في يومياته بأعمق مما يكتبه أي مراقب، ولا يحتاج إلى من يتبرع بشرح مظلمته له، بل إلى من يفكك أمامه الآلية التي تجعل هذه المظلمة تتكرر بلا نهاية.

لم تبدأ هذه المشكلة بعد عام 2003، بل تشكلت جذورها المعرفية قبل الاحتلال عقوداً في كتابات المنافي. هناك، تكرّست ثقافة “استعراض الضحية”؛ إذ انشغل الخطاب السياسي والأدبي بتوثيق بشاعات القمع، وتدوين المظالم، دون أن يمتلك الجرأة أو الأدوات المعرفية لنبش البنية التحتية والمؤسسية التي أتت بالديكتاتورية وحفظت ديمومتها. ولأن العقل النقدي المعارض حينها أعفى نفسه من تفكيك شروطه الذاتية، فقد انزلق في المنزلق نفسه: إعادة إنتاج المنظومة السلطوية القديمة، لكن بوجوه جديدة، وشعارات مختلفة، وآليات تفتيت جديدة.

واليوم، ينشغل قطاع واسع من النخب الكاتبة باللعب في مساحات آمنة وسطحية. يصبون جام غضبهم على “اللصوص” وأرقام الاختلاس، متغافلين عن تشريح المنظومة الريعية ونظام المحاصصة الشبكي الذي يعتبر الفساد جزءاً أصيلاً من آليات بقائه، لا مجرد سلوك فردي خاطئ. والأدهى من ذلك هو هذا الصمت المريب، الذي امتد لنحو ربع قرن، عن قراءة التبعات البنيوية للهندسة السياسية التي أرساها الاحتلال الأمريكي. ليس من منطق الأشياء أن يُنسى دور الفاعل الدولي والهندسة الخارجية بالصدفة؛ بل هو التزحزح المفاهيمي الذي تفرضه أحياناً بؤس الانحيازات المسبقة، أو الارتهان المباشر وغير المباشر لمنظومات التمويل وأجندات المؤسسات التوجيهية.

إن وظيفة الكتابة الجادة ليست دغدغة العواطف ولا ممارسة وظيفة الشرطي أو مذيع الأخبار. الوظيفة الحقيقية هي تحويل هذا الألم الفردي المشتت إلى وعي جمعي متماسك؛ وعي يمنح الشارع لغة نقدية، وذاكرة مشتركة، ورؤية مستقبلية تتجاوز الشتم والندب. وحين تعجز الكتابة عن تقديم هذا البديل البنيوي، وتكتفي بالإثارة السطحية، فإنها تنزلق ( بقصد أو بدونه ) لتصبح جزءاً من مشروع تضليل متكامل، يُبقي المجتمع غارقاً في التفاصيل والعموميات، ويمنعه من طرح الأسئلة الحقيقية التي تفتح باب الخروج من هذا النفق.

شاهد أيضاً

مسيرة الأربعين … رسالة لا يطويها الزمن

الاضواء / شيماء لطيف القطراني ـ العراق  ليست مسيرة الأربعين مجرد حشود تتجه نحو كربلاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *