كتب : حسنين هاشم الوائلي ـ العراق
يقول صاحب القصه:منذ سنوات طويلة كنت أعمل عامل نظافة في أحد الأحياء البغداديه الراقيه كنا ستة عمّال نخرج كل صباح بسيارة جمع (القمامه) التي نجمعها من الحاويات الموضوعه أمام البيوت كان العمل شاقًا والرائحة الكريهه متعبة، والناس تمر من امامنا وخلفنا وجوارنا وكأننا غير موجودين لا احد يعبأ لوجودنا لكنني كنت أقول دائمًا(اللقمة الحلال مهما كانت متعبة أكرم من سؤال الناس.) وفي صباحٍ احد الايام وفي يوم لن أنساه ما حييت توقفت أمام إحدى حاويات القمامة بعدما رأيت مشهدًا هزّ قلبي.
كانت هناك امرأة تقف بجوار الحاويه تفتش بيديها المرتجفتين في بقايا الطعام. وخلفها سبعة أطفال( أربعة أولاد وثلاث بنات) وجوههم شاحبة وعيونهم معلقة بأمهم، كأنهم ينتظرون معجزة صغيرة تخرج من بين القمامةتجمّدت في مكاني لم أرد أن أقترب منهم حتى لا أحرجها ولم أرد أن يراها أحد من زملائي فيكسر ما تبقى من كرامتها بنظرة أو كلمة.
وقفت بعيدًا أراقبها ودموعي تحرق عيني.
كانت تلتقط قطع الخبز اليابسة، وبقايا الخضاروالطعام الملفوف في الورق ثم تنظر حولها بخوف كأن الفقر خطية يجب أن تخفيها عن العالم! وعندما انتهت، أمسكت بأيدي أطفالها ومشت بسرعة كأنها تهرب من نظرات الناس أكثر مما تهرب من رائحة القمامة الكريهه
اقتربت بعدها من الحاويه وشعرت أن قلبي انكسر.
فأنا أب وأعرف معنى أن ينظر الطفل إلى أمه وهو جائع.في اليوم التالي عدنا إلى الحي نفسه.فنزلت من سيارة القمامه مسرعًا نحو تلك السلة قبل أن يصل إليها أحد.
ووجدتها هناك مرة اخرى
نفس المرأة.
نفس الأطفال.
نفس الجوع الصامت.وفي تلك اللحظة، شعرت أن الله سبحانه يهمس في قلبي:(كما رزقتك فافعل ما تستطيع وتتمكن)
فعُدت إلى بيتي، وقلت لزوجتي:
حضّري لي غدًا طعامًا كثيرًا لأي أمّ تبحث عن لقمة لأولادها بين القمامة؟!
صمتت زوجتي لحظة ثم دخلت المطبخ.وفي الصباح أعطتني كيسًا أسود مليئًا بالطعام النظيف والخبز، ووضعتُ أنا بداخله مبلغًا صغيرًا من المال وعلى قدر استطاعتي ومااتمكن.
وصلت إلى الحي مبكرًا وقبل ان يصل زملائي ووضعت الكيس داخل تلك الحاويه التي اعتادت المرأه تفتش فيها عن بقايا الطعام ثم اختبأت بعيدًا لكي لاتراني أراقب وبعد دقائق جاءت المرأة مع أطفالها وبدأت تفتش كعادتها… ثم وجدت الكيس فتحته بحذر وما إن رأت الطعام النظيف حتى توقفت يدها في الهواء، ثم ضمّت الكيس إلى صدرها وبدأت تبكي بصمت
أما الأطفال فقد كانت نظراتهم للطعام وكأن السماء فتحت أبوابها لهم.
في ذلك اليوم لم تأخذ شيئًا من الحاويه وغادرت هي واطفالها مسرعين لكي لايراهم احد
ومنذ ذلك الصباح صار الكيس الأسود رسالتي اليومية إليها.كنت أضع الطعام والمال في المكان نفسه كل يوم، دون أن تعرف من أنا، ودون أن أعرف حتى اسمها.
كنت أراها من بعيد، وأشعر أن الله يسمح لي أن أكون سبب رحمة صغيرة لعائلة مسحوقة بالحياة.ومع مرور الشهور بدأ الخير يهبط لي من الله ترقيت في وظيفتي من عامل الى مراقب عمل وبعدها مسؤول قسم وزادت بركات الله في بيتي من حيث لاادري لي ولزوجتي واولادي.. وبالرغم من كوني لم اعد عامل نظافه اخرج مع العمال للحي ولكني استمريت كعادتي اخرج صباحا ومبكرا وقبل ذهابي الى مقر عملي في القسم البلدي ومعي الكيس الاسود وبداخله ماقسمه الله من طعام ومال.. وبمرور الايام بدأت ألاحظ أن الأطفال لم يعودوا يأتون مع امهم
ففرحت، وقلت ربما عادوا إلى المدرسة، وربما لم تعد تريد لهم أن يروا أمهم عند سلة القمامة
واستمر الأمر سنوات حتى بعد تقاعدي من الوظيفه لم أتوقف عما اعتدت عليه يومياكنت أذهب بنفسي كل صباح، أضع الكيس وأختبئ بعيدًا، لأن ذلك العمل صار أجمل ما أفعله في حياتي وخاصة ان الله تبارك وتعالى بارك لي في كل شيئ في حياتي وبامور لم تخطر ببالي والحمد لله واستمريت بمااقوم به يوميا لاكثر من ١٨سنه دون توقف….
لكن ذات يوم لم تأتِ المرأة؟!؟!
مرّ يوم.ثم أسبوع كامل.
والكيس يبقى مكانه كما هو.
شعرت بخوف شديد في قلبي.
وبعد بحث طويل دلّني أحد سكان الحي على مكان فيه شبه بيت يقع في احد المناطق السكنيه المنسيه القريبه بعض الشيئ من ذلك الحي الراقي
طرقت الباب.
فتحها لي شاب في أوائل العشرينات نظيف الهيئة، هادئ الملامح.
قلت له:هل هنا تسكن أم خالد؟
تغيّر وجهه فجأة وقال: هل أنت تعرف أمي؟
قلت بصوت مرتجف:كنت أساعدها من بعيد.!!
فقال لي الشاب ادخل ياعمو ودخلت ذلك المكان الذي هو قصر بالنسبه لهؤلاء.. وهناك رأيت صورتها معلقة على الجدار يحيطها شريط أسود.
فهمت قبل أن يتكلم قال الشاب بحزن:
(أمي توفيت منذ شهرين)
جلست وأنا أبكي كطفل.
ثم قال:قبل أن تموت، كانت دائمًا تتحدث عن رجل لا تعرفه كان يضع لها الطعام والمال في كيس أسود وكانت تقول لنا: هذا ملاك أرسله الله لأولادي.بعدها جاءت فتاة صغيرة تحمل صندوقًا قديمًا وقالت:(أمي تركت هذا للرجل صاحب الكيس الأسود.)
فتحت الصندوق فوجدت بداخله صورة قديمة للأطفال كما كنت اشاهدهم في تلك الايام والسنين التي مرت وبعض العملات المعدنية ورسالة مطوية وكان مكتوبًا فيها:
(إلى الرجل الذي حفظ كرامتي قبل أن يطعم أطفالي أنا لا أعرف اسمك لكن الله يعرفك.
كنت أبحث في القمامة وأنا ميتة من الخجل فجعلتني أعود إلى بيتي وكأنني اشتريت الطعام بيدي أنت لم تُشبع جوع أولادي فقط بل حفظت قلوبهم من الانكسار سامحني لأنني لم أشكرك في حياتي واذكرني في صلاتك بعد موتي…….!)
لم أستطع إكمال الرسالة من شدة البكاء.لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما أمسك الشاب بيدي وقال:
(يا عمي المال الذي كنت تعطيه لأمي جعلنا نكمل تعليمنا أنا أصبحت معلّمًا وأختي ممرضة وأخي مهندسًا… وكلنا كبرنا ونحن نسمع أمي تقول:( لا تنسوا صاحب الكيس الأسود.)
حينها فقط فهمت أن الرحمة الصغيرة التي تُصنع بمحبة، قد تغيّر مصير عائلة كاملة.خرجت من بيتهم يومها وأنا إنسان آخر.
لم أكن غنيًا ولا صاحب منصب، ولا أملك شيئًا عظيمًا في نظر العالم…لكنني تعلّمت أن الله لا يحتاج إلى أيدٍ ممتلئة… بل إلى قلوب ممتلئة حبًا.ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت سلة قمامة، لا أرى قمامة فقط…بل أرى أمًا كانت تبحث عن الحياة لأطفالهاوأقول في نفسي:
“ربما لا يستطيع الإنسان أن يغيّر العالم كله لكنّه يستطيع أن يكون نورًا صغيرًا في عتمة شخص واحد.
فالرحمة التي تُقدَّم في الخفاءيراها الله و يفرح بها
ومن يحفظ كرامة إنسان، كأنه لمس نور الله العظيم برحمته…
جريدة الاضواء الالكترونية
