الرئيسية / الثقافية / قراءة : حين افترقنا

قراءة : حين افترقنا

كتب : الكاتب علاء التميمي ـ العراق 

َ

ديوان شعر (حين افترقنا) – للشاعرة إيناس هشام ، إصدار دار الهجان للنشر، والتوزيع الطبعة الاولى بيروت 2018

المعركة الخاسرة هي المعركة التي يعتقد المرء أنه خسرها (جان بول سارتر)، قصائد الفراق عادة ما تكون مؤلمة للغاية و لا شك في ذلك، ثم إن الوقوع في الحبّ هي تجربة عميقة فيها الهيبة وكذلك والعياذ بالله قد نحصل على الإهانة والمهانة، نحن لا نستطيع التفكير إلّا في الشخص الذي أحببناه. وبما ان الهدف واحد وهو الإرتباط بذلك الشخص فقد يعترينا الهم والحزن وهو ما نجده في هذا الديوان البصمة الطاغية عليه.
لم يتغيّر مفهوم الحبّ و الرومنسيّة عبر الأزمنة وحتى الامكنة بل حتى عبر كل العصور، لكن اساليبه تغيرت، ما يحدث بالضبط هنا عند الشاعرة (إيناس هشام) هو أنها تجرنا وترغمنا العيش عبر كل الأزمان بعالمها النقي المتسامي نعيش الفراق ونحن نقرأ معها آلاف التساؤلات عندما يختبر الفرد الفراق أو الإنفصال عن شخص الذي يحبّه وأن نعيش شعوره بالسّوء في كل حال:
(تمنيت لو أضيع
ويبتلعني ضجيج الطرقات
تمنيتُ
أن أعودَ طفلاً
نقي القسمات
أعيش بلا أحلامٍ
بلا أمنيات…)

كانت هذه القصيدة ليست الأولى في ديوانها وإنما قد سبقتها قصائد عدة. لكنها كانت عنوان للديوان فكان حري بي أن ابدأ بها لأدخل لخلجات نفسها واغوص بمشاعرها وأنهل من عذوبة شعرها فآفاقها مشحونة بالألغام وقد خلٌفت لدي الكثير من علامات الاستفهام، فعلى الرغم من كونها قبانيه الوجدان ومتأثرة بنزار بشكل كبير في كتاباتها إلا إنني اجدها تحمل هموم السياب وطريقته في البوح، فهي تصب أحاسيسها بشكل وكأنها تعرف ماذا تريد أن تقول تجبرنا على أن نتبع حروفها حرفٍ حرف وكأنها تزرع نبتة وتجبرنا أن ننتظر ثمرتها، تنظر للقصيدة وكأنها مرآتها التي تعشقها ونافذتها التي ترى الدنيا من خلالها:
(نامت الأضواء.. والليل حزين
معتم الانجم يبكي بأنين
أين صبحا كانت الشمس به
ثم اختفت أين..)

أنها تريد لنا الإنتظار لأنها هي من ترسمنا بل حتى هي من تصوغ أحلامنا، وملامح تكويننا فتارة ترسمنا مقلوبين وتارة معتدلين بل تجعلنا بلا الوان :
(أرسم قمراً
فيسيل الحبر الأسود
فوق ورقتي
أرسم بحراً
فيثور الموجُ
فيحدقتي
أرسم نهرا
فتجف الاقلام
أرسم حلما
فتموت الاحلام…)
وكما قال فيودور دستويفسكي :
(إن جميع احلامي التي هي مزيج من البطولة والأخيلة الروائية قد طارت من رأسي عند أول إتصال بالواقع)
وبالفعل فقد نجحت الشاعرة نجاحاً باهراً في الوصول إلى الآخرين عبر شعرها النثري وأن نعيش معها الواقع الأليم المذَّهب بالفراق بطريقة محببة جميلة سهلة سلسة.
في العلاقة في مرحلة ما قد يصعب علينا التحكم ، لكن لا يمكننا أن نغيّر الطريقة التي نتعامل مع هذه الوضعيّة التي نكون فيها قد إفترقنا عن الشخص الذي تعلّقنا به أو الشيء الذي تأثرنا به فقصيدة (بيت جدي)
مثال حي على إن ارتباطنا بالماضي لا يمكننا في بعض الأحيان السيطرة عليه ولربما يكون هذا النوع من الارتباط جميل وننسحب اليه شيئاً فشيئ:
(تسحبني قدماي حيث
ذاك البيت العتيق
بيت جدي
بيت مركون على
حافة الطريق
ذكريات تستيقظ في رأسي
وتنام بين جدران الصمت
المطبق
يسحبني الحنين
حيث كانت رائحة الحنين
تعبق…)

(ما أكثر الأوطان التي يبدأ فيها سجن المواطنين بالنشيد الوطني)
(أدونيس)
إيناس هنا تعتذر للوطن وتعتذر للأرض وللطيور وللبيوت وللبساتين فعودته مزهوا صارت حلما فهل مات؟
(وطني يموت فأين السلام
قد احرقتم أغصان الزيتون ونسفتم أبراج الحمام
وطني الحبيب
وطني المصلوب فوق أرضه
دون صليب…)
فعلماء النفس يقولون :
إنك لا تستطيع أن تمنع طيور الحزن من أن تحلق فوق رأسك و لكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش في شعرك .
إنها كلمات من آسى وحزن فهي لم تنعي موطنها وإنما ترثيه بكل ما تحمل من أشجان فها هي أخر القصيدة تشهد بقاءه حيا وهم من ماتوا :
(قطعوه بالأنياب
كالكلاب
وهو لم يزل بعد
على قيد الحياة
سحقوه وهو يرنو
للنجاة
غسلوا بدمه آخر فكرة
كانت لديهم
للحياء)

الأخ ان ظفرت به فستكون بخير وإن كان صالحا فستظفر بالخير كله فهو من بروحه عند النوائب فالأخوة نعمة كما نراها تجسد هذا المعنى في قصيدتها (أخي)
(أغلق الابواب
قد حل الظلام
والليل في الخارج جد
طويل
أسدل الستار عن ألم
ونم
قد يأتينا الصبح
بنور وحمام)

حين قرأت قصيدتها (الشمس تشرق من عينيك)
وجدت أنها تنساق الى ملهمها الاول وهو السياب وتغازله بطريقة لطيفة:
(عيناك كلون الغروب
كحزنِ الغروب
كإبتسامة القمرِ
حين تغسلُ
أحزان الدروب
عيناك شمعتانِ
من عمري
تحترق
ولا تذوب)
فالسياب كان قد كتب انشودة المطر:
(عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،
أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ.
عيناكِ حين تَبسمانِ تورقُ الكروم.
وترقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ)
ولا أقول انها نفس النصوص أو نفس الأبيات وانما هو تشبيه في المعاني وهذا التشبيه لا يأتي من فراغ وإنما ناتج تأثرها بمعلميها الاوائل في مدرسة الشعر الحر كي يتزين النص معها بأجمل صوره.

أنها منطلقة بقوة نحو الحداثوية وبشعر التفعيلة المحبب الى نفسي تشق طريقها بتأني متخذة من جهابذة الشعر الحر مسندا لتعتلي بهم القمة وما أجمل ان يكون لنا مثال نحتذي به . .

شاهد أيضاً

قراءات : سيرة الكاتب في مناخ النص

الكاتب : علاء التميمي ـ العراق الأديب الناقد احمد سعدون البزوني قدّم في كتابه (سيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.