الرئيسية / آراء حرة / ختم الدم

ختم الدم

كتب : امجد حميد ـ العراق 

 

يتكون مفهوم الدولة بشكل عام وفق معايير و محددات تعتمد بشكل نظري على تركيبة الدولة و منظومتها الهيكلية التي تحكم شعبها , فعلى الرغم من تنوع اشكال بناء و هيكلة الدولة و امتداد النظريات السياسية و الفلسفية لشكلها الامثل فان كلها تعتمد على هذا الاساس حتى وان كان الاختلاف النظري جذرياً . و الامثلة في ذلك مبانه على المتلقي حين يرى ان نظرية سيادة الدولة يكون منبعها حق التملك و السيطرة التامة  على الشعب بكل تفاصيل حياته   هي اساس فكرة افلاطون السياسية و التي يستند عليها لتصوير شكل الدولة المثالية التي كان يحلم بها , بل حتى  مكيافيلي  و من يؤيدوه بفكرة ان القوة هي من ترسم و تصنع هذه الدولة بل حتى تمثل  مستقبلها يعترفون مجملاً ان هذه القوة يجب ان تبان على هذه الدولة سواء من خلال طريقة التعامل مع متطلبات الحكم او من خلال التنظيمات الدورية التي تحتاجها لإدامة حكمها . الا ان مثل هذه التنظيرات قديمها و جديدها  اصبحت  في هذه الالفية الجديدة    استهلاكية الى ابعد الحدود و لا تمثل الا غطاءً دوغمائي لحقيقة كل الحكام و الحكومات في هذا  العالم كي  تبقى  تحقق غاياتها الشخصية على حساب شعوبها, لذلك من  واجبنا الان ان ننظر و نتمعن بإمكانية  تغيير مجرى  التاريخ  للأجيال القادمة كي يعرفوا كيف يتعاملون مع حكوماتهم من خلالنا .

على هذا الاساس و قبل ان  نبني لهذا التحديث الفكري السابق لأوانه نسبياً يجب  علينا معرفة الاسباب اندفاعنا الملح لتغيير المنظومة التحليلية و النقدية بشأن ذلك , و لن يتحقق ذلك الا بطرحنا اشكال الحكومات من بدء الحضارات و حتى يومنا هذا . فعن تشكل  المنظومات  الحاكمة و السياسية نرى  ان الحضارات البشرية عرفت سياسة  الحكم الواحد أو الفردي قبل كل شيء جاعلةً هذا المنصب مميزاً اذ ان مالكه قد يصل مرحلة الالوهية فيه , و هذا الشكل السياسي يتمثل بالأغلب بالحكم الملكي و مختلف اشكاله و اطواره التي قد تكون  تحت مسمى ملك , امير,  سلطان , قيصر , او امبراطور حتى , لذا نستطيع ان نختصر هذا  الشكل ببساطة بتسميته شكل الحكم الواحد او الفردي لان كل شيء يجب ان يكون منوطاً به و راجع له بدون  اي استثناءات . في مثل هذه  الاشكال من الحكومات نرى ان التطبيقات و القرارات  التي  يتم سنها دائماً من  هذه الجهة الفردية ممزوجة بالطابع الشخصي و مغريات مكانتها بفعالية اكبر من  باقي الاشكال , مما يجعل الصراعات الداخلية و الخارجية في مثل هكذا شكل سيادي كثيرة و  متتالية بفترات قصيرة , و هذا هو السبب الجوهري لعدم  استمرارية رغبة الشعوب التاريخية لتحقيق مثل هكذا اشكال تنظيمية رغم ان اساساتها قد تغيرت في العصور الحديثة الى حد بتر جزء كبير من هويتها كما سنناقش ذلك لاحقاً . لكن مجملاً نستطيع  ان نقول ان سياسة الحكم الواحد  او الفرد الواحد قد  انحسرت  و اصبحت  متواجدة  بشكل ضيق و غالباً ما تمثل غطاءً لمنظمات ديكتاتورية كون ان الحكم الديكتاتوري ليس  نظاماً بل هو حكم شخص واحد قسراً على  شعب مفروض منه تطبيق كل شيء دون نقاش . 

هكذا و بعد ان اجتازت الحضارة البشرية فكرة  الحكم الواحد تطور علم السياسة البشري و اصبح يؤمن  بالسياسة  متعددة الاطراف و  التي تتعدد اسمائها و تعريفاتها كالدولة الجمهورية او الديمقراطية  او البرلمانية و غيرها . ان  هذا الشكل السياسي المستحدث قد قضى  نوعياُ على  تأليه جهة حاكمة واحدة مسيطرة  على كل مفاصل هذه الدولة و احتكارها بيده , بالإضافة الى تعزيز و تنويع  القوى  الحاكمة مما يسهل التأثير و التغيير على الشعب بشكل ابسط من حكومات الفرد الواحد . و على الرغم  من ان في مثل هكذا سياسات  قد يكثر الفساد المنهجي و التضييق الجماهيري كون ان الشعارات و الهتافات يعتمد طرحها بصورة جذرية على حجم عقول متلقيها و بشكل مدروس , الا ان مثل هكذا انتهاكات كان من الواجب توقعها حين تكون الأولوية هي ماهية الهيكلة السياسية و عدم الاخذ  بنظر الاعتبار امكانية اختراقه لا نظرياً لتحقيق اجندات خارجية استعمارية او داخلية ديكتاتورية ايضاً .

ان النقد المبدئي يوضح بصورة او بأخرى  حقيقة هذه الاشكال السياسية و التي ليست سوى رسم صوري لما يتم تطبيقه و عمله فعلياً على ارض الواقع ,  و ان ما يسيطر فعلياً داخل هذه المنظومة هو ما يجب ان ينظر اليه من الاساس و ليس الهيكلية . و ان امثلة بسيطة كافية لإيضاح ما نريد اثباته كالمملكة المتحدة مثلاً و التي تعتبر دولة ملكية اسمياً لكن حكمها الداخلي ديمقراطي بحت و لا يرتبط بصورة فعلية و صارمة بالملك او الملكة , و ان الولايات المتحدة الامريكية ايضاً تمثل شكل  اخر من المسوخ الهيكلية السياسية باعتبارها دولة ديمقراطية برلمانية , الا  اننا نرى و منذ بدايات تأسيس هذه الدولة الفتية ان هناك حزبان فقط يحكمان هذه  الدولة اذ من المستحيل التوقع ان في يوم من الايام سنجد حزب منافس اخر في الانتخابات الامريكية يفوز بالانتخابات الرئاسية و يحكم هذه الدولة , و نزيد هذان المثالان تأكيداً بالحركات الحداثوية التي كانت تنادي دائماً لأجل الشعب و التي صنعت تحت منظوماتها الشكلية اكثر  الشخصيات قمعاً و ديكتاتورية متسترةً بغطاء الحكم الديمقراطي و دعم مصلحة الشعوب , و لا مثال اكثر بياناً من حزب البعث الاشتراكي الذي صنع جهتان مستبدتان قد قضي على احدهما و هو صدام حسين و بقي الاخر و هو حكم عائلة الاسد لأسباب هي  ليست من صميم بحثنا سوى تبيان الثغرة التي نريد علاجها لاحقاً .

نستخلص من هذه التجربة البشرية الطويلة قضيتين مهمتين , الاولى هي مدى التطورات السياسية التي تم اكتشافها لاختراق المنظومات الحاكمة و البقاء على نفس الاهداف النفعية الفردية منها و الغير فردية , والثانية هي كمية الاحتياج الملح لتغيير  طريقة تفكير الشعوب و طبيعة التعامل مع حكوماتها و رؤسائها الذين يستطيعون و ببساطة صنع الفجوات لاستحكامهم .  و هنا يتم طرح السؤال التالي و هو : ان لم يكن علينا تقسيم او تصنيف حكومة او مؤسسة حاكمة ما على اساس شكلها التنظيمي فما هو المعيار الذي يجب اتباعه في الالفية الجديدة لكي نحد او نلغي بشكل كامل او جزئي ً الثغرات التي تم صنعها من هذه التقسيمات ؟

و قبل ان نشرح ضروب  التقسيم الحديث للمنظومات الحاكمة يجب علينا تبيين الية التقسيم الجديدة و كيف يتم التعامل معها .  و بشكل مختصر و واضح  ان التقسيم الحديث يجب ان يكون محوره من يحكم الشعب و ليس كيف يحكمه , اي ما الجهة الفعلية و الحقيقية  التي تدير شؤون هذا الشعب و تقرر هي بذاتها الية الحكم ,  اخذين بنظر  الاعتبار ان كان الحكم  بإرادة  الشعب او بإرادة الجهة التي تحكمها , اذ ان نواة التقسيم ايضاً تعتمد على من يمتلك الارادة الحقيقية . ان السبب الذي  يدفعنا لتغيير هذه  المنظومة التحليلية من الكيفية الى النوعية هو  ان كل ما سبق من  التركيبات السياسية لم تكن بصورة او بأخرى تمثل جوهر النظرية المتبعة و تحقق الغايات الشعبية  الاصلية التي تعطي الشرعية المتوقعة لبقاء هذه المنظومة السياسية  كما ذكرنا في الامثلة السابقة , لذا فهم و تغيير الالية المتبعة بهضم و فهم  جميع المنظومات السياسية العالمية سيخلق الخطوة الذهبية  التي سعى الى اعتابها جميع الشعوب المضطهدة  عبر التاريخ بشكل غير مباشر و  هي  كيف  تستطيع  هذه الشعوب الخلاص من ادلجة عقولها و تقييد  اصواتها بل  حتى عجزها السيكولوجي و  السيسيولوجي من مواجهة من يحكمهم خصوصاً  ان كانوا من اختيارهم او منهم ! لذا فيجب على الجميع استيعاب فكرة ان على عصر  الالفية الثالثة و من  سيعيش فيه ان يخلق هذه الطفرة  و الخطوة الذهبية التي لن  تأتي فقط من خلال ما سنقوله بل تحتاج الى رسم وعي شامل و راسخ في عقول الشعوب , ما سيحتاج الى فترة اطول من التي مررنا بها الان في هذه الالفية .

بعد  ايضاح الاسباب  التي تدفعنا لتغيير المنظومة التحليلية و النقدية للمؤسسات و الحكومات السياسية توجب علينا طرح بنية مبدئية قد تزيد او تتوسع  لاحقاً من قبل القادمين بعدنا , و ان هذا  التقسيم نوعي بشكل جوهري و شامل بشكل نظري حتى  نبقى في دائرة بحثنا الاساسية و ما نريده منه . لذا فان  التقسيم النوعي الحديث للدولة ذات شعب  و حكومة تحكمه مجملاً ينقسم  الى اربع اقسام اساسية و هي :

  • دولة  ذات شعب يُحكم  بإدارة داخلية بحتة .
  • دولة ذات شعب يُحكم بإدارة خارجية بحتة .
  • دولة ذات شعب يُحكم بإدارة داخلية و  سيطرة  خارجية .
  • دولة ذات شعب يُحكم بإدارة  داخلية و جزء من ادارة خارجية

و قبل توضيح  هذا  التقسيم  علينا ان نبين اولاً ان الحكومات بشكل  عام اما ان يتم ادارتها بشكل  داخلي اي داخل الدولة او شكل خارجي اي من دولة  و حكومة ليست من اختيار الشعب او ارادته . بهذا الشكل نحصر الفكرة الهيكلية و نجعلها منصبة على  مركزية واحدة و هو الشعب و ليس نوع الحكم ,  فقد يكون  الحكم ملكياً او جمهورياً لكن هذه  الحكومة يتم ادارتها فعلياً من حكومات اخرى خارجية , وقد تكون الحكومة هي  جزء من  مجموعة  حكومات كما كان الاتحاد السوفييتي  آنذاك او الامبراطوريات القديمة كالإمبراطورية الصفوية و العثمانية و غيرها , حيث ان كل  تكتل بشري داخل الدائرة الواسعة  يتم حكمه  اسمياً و  ظاهرياً  بشكل مستقل عن التكتل الذي يجاوره الا ان المركزية الادارية تستطيع تغيير النظم و الادارة بل حتى الشخصيات الحاكمة الموجودة داخل دائرتها . و كتمييز بسيط بين ما نعنيه بالسيطرة الخارجية و الادارة الخارجية  في النوع الثالث و الرابع فان الاول هو حكم دولة على دولة اخرى حيث تكون الغاية و الهدف الاساس اقتصادي و سياسي , اذ ان الاقتصاد القومي الذي تم الاعتماد عليه ليس من الاولويات من الاساس لهذه الدول التي استحكمت , الا ان الاخير يقصد به كيان كامل ارادت دولة ما و شعبها نتيجة تقارب اجتماعي , قومي ,  ديني , جغرافي , او حتى فكري  ان تكون جزء من ادارتها مرتبط بها سواء كان هذا الكيان يترأسه دولة واحدة او لا يترأسه دولة معينه . أضافةً  الى ذلك نبين ما نقصده بالإدارة البحتة سواء داخلية او خارجية اي ان لا طرف اخر يمثلها او يستطيع التأثير عليها , فان كانت الادارة داخلية بحتة  فهي سواء كانت بحكم الشعب  او فرد او مجموعة افراد فان كل المؤشرات و العوامل  و القضايا التي تقدمها هذه الدولة سواء كانت ايجابية أو سلبية فهي  تصب و تؤثر على الشعب من داخله فقط و لا دخل لأطراف خارجية فيه , اما ان كانت الادارة  خارجية بحتة فهي تمثل حكماً لا  دخل او ربط للشعب المحكوم فيه اي  شيء حتى  في  المناصب  الحكومية و الرئاسية بل انه  يساق على ما تملي عليه هذه الحكومة الخارجية او قد تصل الى ما تملي عليه شعب هذه  الحكومة الخارجية ايضاً , و سنحاول توضيح  كل واحدة من هذه الانواع بالتفصيل .

حين نتكلم عن حكم دولة بإدارة  داخلية نقصد به  ان هذه الدولة يتم ادارتها و حكمها بجميع النواحي الايجابية و السلبية داخل هذه الدولة , اذ ان هناك جهتان محتملتان ان تكون هي الحاكمة و لا وجود لثالثة و هي اما الشعب يحكم نفسه بواسطة الدولة الحاكمة التي هو اختار كل افرادها , او ان الحكومة او جهة اصبحت منظومة حكومية تحكم الشعب بغض النظر عن ارادة و متطلبات الشعب . ان المعطيات التطبيقية التي تتخذها هكذا انواع من الحكومات مبنية  بصورة جوهرية على شكل الشعب و تفكيره حتى و ان كانت الادارة متسلطة على هذا الشعب , لان تشكيل هذه الحكومات و دائرتها الضيقة تفرض عليها ان تتعامل مع العقلية الجمعية التي تحكمها لتعزيز غائيتها , و هذا ما تثبته اكبر الديكتاتوريات المستقلة القوى حين تسعى دائماً لتصوير حكمها لأجل الشعب و مصلحته , و التاريخ متخم بمثل هذه الشخصيات من تايتوس قبل الميلاد الى  صدام حسين و من  عاهده اذ اصبحت هذه الطريقة غير فعالة و غير مجدية  مع  تطور  الشعوب باستثناء حاكم كوريا الشمالية كيم جونغ اون  الذي ما  زال الفرد الوحيد الذي يحكم شعباً بإدارة داخلية بحته و بشكل ديكتاتوري , و في هذا شرح كثير لتفصيل فكرة الديكتاتورية و كيف تغيرت في العصر الحديث . هكذا قد تبين لكم  ان الحكم الداخلي البحت هو ببساطة وجود منظومة سياسية حاكمة مستقلة عن العالم حيث ان خيرها و شرها منصب  على  شعبها بدون تأثير خارجي او مساعدة خارجية , و ان الادارة الداخلية سواء بحكم الشعب او الدولة فان  الادارة تكون مستقلة دائماً و من الممكن التأثير عليها و تغييرها داخلياً حتى وان كان شعب هذا النوع من الحكومات ذا ارتباطات عرقية او دينية او قومية معينة . 

النوع الثاني من الانظمة الحاكمة  هو عكس الاول تماماً حيث لا الحكومة و لا الادارة و لا حتى الغاية و المصلحة من كل ما تقدمه هذه المنظومة لأجل الشعب نهائياً , مما جعلنا نسميها ادارة خارجية بحتة . و هذا الفاصل مهم لتمييزه عن الانواع القادمة لان ما نتحدث عنه ببساطة هو الاستعمار بمختلف اشكاله و الوانه القديمة و المعاصرة باستثناء  الاستعمار الاقتصادي الحديث الذي  سنتكلم عنه بالنوع الثالث . ان الاستعمار او الحكم الخارجي قد انحسر بهذه الصورة في العصور الحديثة متخذاً شكلاً  اخر و صورة اخرى هي  اقرب للنوع الثالث و السبب يعود الى السعي وراء  تمديد فترة الحكم لأطول فترة ممكنة من خلال الاعتماد على القوى العظمى في  العالم , فالاستحكام  التام لدولة معينة قد ينتهي يوماً ما بانقلاب الشعب – مدنيين و عسكريين – على الحاكم سواء كان حاكماً ديكتاتورياً من  النوع  الاول او  حاكماً استعمارياً من النوع الثاني , لكن ان تم الاعتماد على دول اقوى من دولة الحاكم الديكتاتوري فمن المؤكد ان باستطاعته الاستغناء عن الجانب العسكري في حال قام بالانقلاب عليه , فهو سيحصل على جنود و محاربين  لا يقتلون ابناء شعبهم لان من يقتلونهم ليسوا شعبهم , مما سيجعل السيطرة الحكومية اطول مدة و اكثر استبداداً و اضطهاداً لشعبها . هكذا يتضح ان النوع الثاني من الانظمة الحاكمة تتمثل بالحكومات الاستعمارية التي تدير بذاتها الدول التي استعمرتها , اي حكاماً من ابناء جلدتها يحكمون شعباً ليسوا  من جلدتهم لأجل استغلال كل ما يملكون لأجل ابناء جلدتهم .

 ان هذا التطور السياسي في  هذا العصر يتطلب منا اعادة نقسم الديكتاتورية و تصنيفها الى صنفين اساسيين : ديكتاتورية مبسطة و ديكتاتورية  مركبة .  باختصار ان الصنف المبسط من الديكتاتورية يمثل النوع الاول من الانظمة الحاكمة لأنها عبارة عن حكم فرد او مجموعة افراد على شعب بصورة داخلية و مستقلة  و  مغلقة لا تمت باي تأثير او تغيير او صلة بشكل مباشر على الدول و الشعوب و المنظمات الحكومية الاخرى . اما المركب فهو الديكتاتورية التي لا تعتمد على قوتها و جبروتها فقط , بل تضمن قوة و سلطة  دول اقوى منها كي تحقق مساعي شخصية بحتة و  لا تمت بصلة للشعب , و ها هو  بشار الاسد الذي من العار تسميته ديكتاتوراً و هو  لا يبيد شعبه بيده بل بيد غيره , لأنه و نحن ننتمي بصورة مباشرة بالمرحلة التاريخية  التي نضجت  فيها العقول و التي ادركت ان الشعب باستطاعته الانقلاب على حكومته و اسقاطها مهما كانت قوية , لذلك لا ارى ان نيرون ابن كلاوديوس , اعتى ديكتاتور قد عرفته و لا اعتقد ان هناك ديكتاتور تعرفه البشرية اعتى منه , يتشرف بان يشاركه في الجحيم بشار الاسد او السيسي او اي من المسوخ الديكتاتورية الحديثة , لدرجة انني ارى عذاب رفقتهم معه اشد الماً عليه من نيران الجحيم !

يبرز الصنف الثاني من الديكتاتورية في النوع الثالث من الانظمة الحاكمة لان جوهره هو وجود ادارة داخلية من الشعب لكن لا تمثله اسمياً و لا فعلياً , اذ ان الدولة يتم حكمها وفق ديكتاتورية استعمارية تستطيع ان تملي عليها كل ما تريد و ما يصب بمصلحة حكومتها و شعبها . ان هكذا نوع من الحكم لا يتمثل بهذا الشكل السياسي فقط بل قد يكون ايضاً على شكل مستوطنات تكتلية داخل اراضي ليست اراضيها كإسرائيل مثلاً او ان تجعل دولة استعمارية حكام الدولة المحتلة من نفس شعبها كي تقلل الضغط الشعبي و تجعله اكثر مرونة في التعامل مع حكومته كما فعلت روسيا في دولة الشيشان و شبه جزيرة القرم . هكذا يتوضح  سبب اجتياح النوع الثالث دول العالم كوسيلة حديثة  في هذا العصر من قبل جميع الحكام و خصوصاً البارزين في هذا العام .ان التقنية الحديثة تثبت ان الشعوب لم تعد تستقبل فكرة وجود قوى و  سياسيين ليسوا من ابناء جلدتهم و هذا  ما اصبح تحدي  جديد للحكومات الاستعمارية و الاستبدادية لعدم استمرار سكوتهم , ما جعلها تعتمد على التلاعب السياسي و الاداري بالحفاظ على اجندة  داخلية تحكم بدلاً عنها و تأخذ منها ما تريده من الدعم السياسي و الاقتصادي ,  فسيبقى العراق و لبنان دولتان مستقلتان كحكومة اسمياً  , الا ان ايران ستبقى هي الادارة الخارجية التي تسيطر و تدير كل  شيء داخلهما , و يزيد الامر تعقيداً بقاء هذه الشعوب متغافلين و غير عارفين بحقيقة حكوماتهم او مدى التوغل الاستعماري الذي يعيشون تحت مظلته .

ان الحبكة السلطوية في العصر الحديث تبدأ في الدول التي لا تحكم بذاتها بل من خلال مؤثرات او جهات ادارية خارجية , و سواء كانت هذه الجهات تحت مسمى الاستعمار السياسي او الديكتاتوري او ان السيطرة الايديولوجية هي من تجعل ساسة هذه  الدولة اجندات تعزز و تدعم نوع معين من  السلطات الخارجية التي تغذي ادلجتها فان كل هذه الديكتاتوريات الحديثة  لا تستند في حكمها و ديمومتها   على ذاتها فقط بل تسعى دائماً ان  تجعل  لها متكئ سياسي يعينها على استبدادها . و لا مثال اعظم من حكم بشار الاسد الذي يستند بشكل كامل على روسيا , و هذا ما يبقيه مستمراً رغم المقاومة الشعبية و الرفض المتواصل له عبر عقدين من الزمن .

يتمثل اخر نوع من المنظومات السياسية بالتي تنشأ علاقات سياسية وطيدة و عميقة وفق اساسات قومية ,  دينية , جغرافية  , او حتى  دينية. اذ ان مثل هكذا حكومات تكون مستقلة ذاتياً بالإدارة و تربطها بباقي الحكومات علاقات وثيقة  اهدافها سياسية و اجتماعية و اقتصادية نادراً ما تكون لأجل الحكام و الاغلب لأجل شعوبهم . ان مثل هكذا انواع مرحب بها في العصر الحديث كون ان الضمانات لتطوير و تحسين الواقع المعيشي للشعوب يصبح اوسع نتيجة العلاقات و  المواثيق الدولية , بل ان الاضطهاد السياسي قد ينحسر في الدويلات المجتمعة  كون ان المؤثرات تكون كبيرة و ليست داخلية فقط بل حتى خارجية لان مثل ما اوضحنا ان كل دولة تمثل الاخرى و لو  بشكل او رابط قومي (دول عربية) او ديني (دولة اسلامية) او فكري(الدولة السوفييتية الشيوعية)  او جغرافي (المجموعة الاوربية) . ببساطة ان  مثل هكذا نوع من الحكومات او المنظمات السياسية لا تملك الكثير من الملاحظات عليها حتى وان كانت تملك فعاليات وحشية , فالأساس من اجتماع هذه الدول هو  الثبات  و  القوة بل حتى الشعب ,  لذا نقتصر بشرحنا عن  هذا  النوع  كونه  لا يحمل اتجاهات بحثية تخص ما نريد ايصاله في هذا المقال .

هذا  التفصيل المترابط يظهر  الكثير من الفجوات  و الثغرات الغير  معلومة عند الشعوب  حين تعاني  بسبب الاضطهاد و الاستبداد  من قبل حكوماتها او من يحكمها , بل  ان الادلجة  السيسيولوجيه تدفع من يقع تحت سطوتها الى السكوت او المناداة  الفارغة من القيمة و الجدوى بالقياس مع التوغل  الفكري و السلطوي  لدى حكوماتهم .  هكذا يتبين ان كل  موع من انواع المنظومات الدولية  بحسب التقسيم  الجديد الذي  بنينا عليه يجب التعامل مع كل نوع منه بشكل  مختلف عن الاخر , فالشعوب التي  تحكم  بذاتها لا ضير ان يكون حكمها ملكياً او  جمهورياً بقدر ما يهم انه متفق و مراد من الشعب ,  اما الشعوب التي تُحكم  من  قبل غيرها سواء من حكومة تنتمي لهم  و ليست لهم  , تنتمي لهم و ليست لأجلهم , او  حتى لا تنتمي  لهم فان كل واحدة  يجب مواجهتها و تدميرها بطريقة قد تختلف نوعياً  او جذرياً عن الاخرى .

نستبق  حديثنا عن الطرق  الواجب اتباعها من قبل الشعوب لأجل انهاء  الاضطهاد او  الاستبداد  من قبل حكوماتها كل واحدة  حسب نوعها بإيضاح  مختصر عن طرق المواجهات و المقاومة التي من الممكن اتباعها في تلك الانواع باستثناء النوع  الاول حين يكون الحكم ذاتياً من  الشعب  , و هذه الطرق هي الرفض بشكل اعتراضي  او المواجهة بشكل سلمي                                                                                       او مقاومة انتفاضيه  او ثورية . ما نقصده بالرفض بشكل اعتراضي هو الطريقة المعتادة من قبل اي شعب لمواجهة اي حادثة سياسية تطرأ عليه بغض النظر عن مشروعيتها وهو اظهار الانزعاج و الغضب الجماهيري بطريقة غير مباشرة او من غير تحشيد يدعو الى التصعيد , وهذه  الطريقة متواجد في كل الشعوب بل ان تواجده صحي لأي شعب لأنه يمثل مدى استجابة المنظومة السياسية لمطالب شعبها ومدى العلاقة  المتينة  بين المنظومة السياسية الحاكمة و بين شعبها . اما الطريقة الثانية المتمثلة بالمواجهة السلمية فهي  تعتبر من الطرق  الاعتراضية  التي تتمثل باحتجاجات و تظاهرات حاشدة و مليونيه من الشعب لأجل  حادثة معينة او  لتغيير  النظام او  جزء من النظام . اما الطريقة الثالثة المتمثلة  بالمقاومة الانتفاضية او الثورية فهي ردة الفعل الاعلى و القصوى  من  قبل شعب على من يحكمه حيث يكون  سفك الدم هو السائد بين الطرفين و تصل  الى انتهاء طرف  واحد غالباً ما يكون الدولة المستبدة ان وافت الانتفاضة  و الثورة شرطاً جوهرياً واحداً  و هو الاستمرار الى ان يتحقق المراد او ان  الشعب يباد , ببساطة  ان ختم الدم هو ان يضحي الشعب بدماء منه كي تكون موثقاً لأحقيتها بحكم نفسها و ليس من خلال المنظومة التي سفكت  هذه الدماء . من هذا المنطلق سنبين كيف  تعاملت الشعوب  مع  كل  نوع من المنظومات السياسية و لما تعاملت بهذا  الشكل من المواجهة و ما يجب ان تتعامل  به  حين تملك هكذا  منظومة سياسية حاكمة .

يتضح من شرحنا مبدئياً  ان  النوع الاول من الحكم اي المنظومة ذات الادارة الداخلية البحتة تكون سهلة المواجهة و المقاومة كون ان اذرع الاستبداد قصيرة نسبياً و لا تتجاوز الحاكم , فعن ان تكون الدولة تحكم بحكم الشعب لن يحتاج هذا الشعب الى مواجهة كبيرة , بل ستكون الاستنكارات و الاعتراضات كافية لتغيير اي حادثة غير مشروعة انسانياً او بالنسبة لهذا الشعب , لذلك نرى ان الشعوب المستقلة ذاتياً و سياسياً لا تحدث فيها الكثير من العراقيل التاريخية و السياسية في مسيرة حياة شعوبها و هذا ما يجعلها دولة قريبة الى المثالية او الدولة المراد صنعها في كل زمان و مكان من قبل الشعوب . تبدأ فكرة الاعتراض او المواجهة الحقيقية اذاً في الدولة التي تحكم بشكل غير مرتبط مع الشعب و مطالبه و رغباته و حقوقه مباشرة بل تمتلك غايات شخصية و ذاتيه تسعى لتحقيقها , و هنا تعتمد طريقة المواجهة على مدى قوة الحكومة و استحكامها السياسي بل حتى جبروتها احياناً , ما يوضح سبب فشل الكثير من الشعوب في ازاحة كيان دولتها بسبب سوء تقدير قوتها و عدم فهم مساعيها و ما ممكن ان تفعله لأجلها , لذلك ان الرفض  الاعتراضي قد يفيد  في الامور الاختيارية البسيطة والتي من الممكن ان  لا تؤثر صلباً على الاستحكام المستبد من قبل هذه الدولة  سواء كانت الدولة استبدادية  او  ديكتاتورية ,  اما ان كانت المساعي لتغيير المنظومة الحاكمة بشكليها المذكورين انفاً فان الرفض الاعتراضي لن ينفع للتغيير كما تعتقد الشعوب دائماً , فكأنك تطلب من حكومتك المستبدة او الديكتاتور الحاكم بشكل لطيف – دون و الا – ان يترك مساعيه و نفوذه و قوته التي لا تمتلكها و يسلمها لك لأنك لا تريده ان يحكمك ! لذا نرى ان الحوادث القمعية في مختلف الازمنة و الاماكن تكون عبارة عن  سوء  تقدير من الشعوب تجاه من يحكمها حيث لا يمثل الرفض الاعتراضي بالنسبة لها سوى احتمالية ان تكون الشرارة الاولية لانتقال هذا الشعب الى الطريقة الثانية من المواجهات وهو المواجهة السلمية التي لا تتجاوز المقاومة المبنية على التحشيد و التجمع الجماهيري لإزاحة الحكومات المستبدة سواء كانت كيان او حكم ديكتاتور . و كإيضاح سريع  لسوء فهم الفكرة السلمية لدى الكثير من الناس بسبب اعتقادهم ان معنى السلمية هي المواجهة الرفضية فقط و الخالية من استخدام الاسلحة من قبل الشعب مع الاخذ بنظر الاعتبار الاحتمال المؤكد من استخدام الطرف السياسي له , بل ان مفهوم السلمية يعني اننا لا نحتاج الى صنع كيان مقاومة منظم و موسع و خلق تكتيكات و خطط لإنهاء هذه الحكومة , و ان  استخدم الشعب اي سلاح في مواجهة حكومته فهو سيوجه سلاحه على من يتعاون معهم حتى وان كان الجيش بذاته , هذا ما يوضح ان الجيوش عند المستبدين و خصوصاً في العصور الحديثة اصبحت اقل اماناً و ثقة بالنسبة للمستبدين و الديكتاتوريين كون ان جوهرها يفرض عليها ان تحمي الشعب لا الدولة من الاساس , بل ان  افرادها مدربين سلفاً على ذلك ,  و هذا ما يثبته الحكم البعثي بيد صدام الذي سبب سكوت شعبه توغله السياسي و استحكامه ما جعل استخدام الطريقة  الثانية في اعلى مراتبها و اثبت ان وجود جيوش فدائية خاصة لصدام حسين هو خوفه من ان يقف الجيش بذاته ضده و مع الشعب , لذلك ان اي منظومة مستبدة سواء كانت حاكما ديكتاتوريا او كيان سياسي متكامل فهم يتغذون  على شيئين : سكوت شعبهم و تزايد ايام سكوتهم ، لذا من الواجب على الاجيال القادمة ان تدرك ان كل يوم يمر على المنظومة التي تحكمهم  و هي تستبدهم ستدفع قبالها دم اكثر و طاقة اكبر لإزاحتها .

قد يكون واضحاً من توسع شرحنا ان النوع الثاني من الانظمة الحاكمة ستكون مواجهته بالطريقة الثالثة بلا شك و هو صنع جبهة و مقاومة  منظمة من قبل الشعب ضد المنظومة الحاكمة الخارجية التي تحكمه , لان لا تفاهم او توقع للسلمية مع جهة هي تريد  ان تحكمك رغم ارادتك . لكن المسالة لا تنتهي عند هذه النقطة بل يجب ان نلفت الانتباه الى نقطه قد غضضنا النظر عنها في النوع الاول و هو وجوب وجود قائد او بديل بعد انتهاء المقاومة و القضاء على المنظومة  الحاكمة , لان عدم وجود بديل فوري و جاهز  لكي يملئ  فراغ النظام السابق سيهيئ فرصة لرجوع   المنظومة الخارجية لتحكم و بشكل اكثر استبداداً و اضطهاداً من الاولى , لذا فان اغلب المحاولات الفاشلة لتحرير البلدان التي لاقت استبداداً كان السبب هو عدم توفر بديل او ظروف تصنع بديلاً حقيقياً , بل ان الدول المتحررة حتى و ان اتبعت النظم الجمهورية و الديمقراطية فهي  بصورة او بأخرى تحتاج الى مركزية قيادية و عقلية تعرف الاستثناءات و القضايا  الغير متوقعة التي من الممكن حدوثها , لذا ان هذا النوع بلا شك يحتاج الطريقة الثالثة للمواجهة ولا يحتاج الى تفاصيل كثيرة لإيضاحه .

يتضح سوء التصرف و قلة الفهم و الوعي من قبل الشعوب تجاه من يحكمها اكثر حين ندرك ان اعلى مستويات المواجهة في اشد طرق المقاومة و هي المقاومة الثورية تبرز بشكل واضح في النوع الثالث من المنظومات السياسية , اي ان السيطرة الخارجية لا يتم مواجهتها او مقاومتها دون ختم الدم من قبل الشعب المحكوم و هذا  سواء كانت المنظومة السياسية تسيطر  عليها ادارة خارجية بشكل  ظاهري او باطني , على الرغم اننا نلاحظ ان اغلب الشعوب التي تدرك حقيقة حكوماتها او انحيازها السياسي تستصغر تأثير ردة  فعلها و تستبسط مواجهتها حيث لا تتعدى حدود الخروج السلمي عليها ,  و تدفع بذلك الثمن بمواجهة و قتل الافراد العزل بطرق وحشية و غير قانونية او انسانية  , لكن و رغم كل هذه الخسائر تكون هذه الدماء المسفوكة هي بداية تحقيق و وضع ختم الدم اذ  ان الشعوب تدرك حينها ان الحكومات الفاسدة و الطاغية و المجرمة لن يفيد معها  التعامل بشكل سلمي لإزاحتها بل يجب ان نخلق جبهة مقاومة مع التوقع  المؤكد لدخول الطرف السياسي الخارجي لحرب معها , و هذا ما يصعب تحرير اغلب الشعوب في العصر الحديث  لان الشعب لا يملك جبهة واحدة بل جبهتين : حكومته و الدولة التي تتحكم بحكومته .

ان ابرز  مثالين  حيين في  العصر الحديث قد عاشه كل  فرد  في هذا  العالم تقريباً  سواء كأحداث سمعها و راها او وقائق عاشها و عانى منها هما التظاهرات التشرينية التي حدثت بالعراق و طوفان الاقصى الذي يحدث في تاريخ صدور هذه المقالة في فلسطين , و هما لا يثبتان فقط ان الحكومات هي ليست الا منظمات منافقة تستتر خلف المصطلحات و الالقاب السياسية التي لا نفع بها بل تثبت ان ختم الدم هو العامل الحقيقي و الجوهري لتحقيق ما تريده الشعوب ما جعل الاولى تنتهي بعد بروزها  و الاخيرة مستمرة لهذه الفترة ,  بل ان حتى  انتهاء الاخيرة سيكون تأثيره اكبر و اعمق من الاولى بالرغم  من وجود تأثير ايضاً  في الاولى لكن ليس بنفس الحجم . ان سبب فشل التظاهرات التشرينية كما اسلفنا الذكر هو بسبب سوء تقدير الشعب لحكومته المستبدة و الغير مركزية , اذ ان كل الاساليب القمعية التي اتبعت كان دليلاً واضحاً على ان المنظمة السياسية التي يواجهها الشعب هي ذات سيطرة خارجية و ان بقاء الاحتجاج و المقاومة بصورة سلمية لن يدفع ثمنه الا الشعب نفسه و لا احد سواه , لذا فان بداية تحقيق ختم الدم في النوع الثالث مختلف تماماً عن النوع الثاني بهذه الجزئية التي من الممكن تجاوزها في حال كان الشعب مدركاً لها و هي ان الشعب المحكوم استعمارياً سيحقق ختم الدم مراده كما تفعل فلسطين الان , اما الدولة التي تسيطر على منظومتها دولة اخرى تحتاج بادئ الامر –  وليس دائماً – الى اثبات ذلك للجميع و بعدها ستنتفض الحركات الشعبية لأجل مواجهة كيانين و هما دولته و من يسيطر عليها ,  و قد لاحظ الشعب العراقي ذلك  بعد انتهاء التظاهرات التشرينية  كيف تحولت اغلب الجهات السياسية من جهات تتفاخر باتجاهاتها الدينية و الطائفية و الفكرية الى جهات تنادي بالاستقلالية  او تصنع احزاب تنادي بذلك كون ان اسمها متلطخ بالدماء بصورة لا يمكن ستره ابداً , لذلك يجب على الشعب العراقي الاعتراف بانه لم يخلق ثورة ابداً بشكل الطريقة الثالثة التي تكلمنا عنها بل هو صنع احتجاجات سلمية ضد مجرمين لن يتقبلوا هذه الاحتجاجات ابداً و عملوا بعدها على ان لا تتكرر مثل هذه الاحتجاجات متأملين ان  لا يصل هذا الشعب الى تطبيق الطريقة الثالثة و انهاء هذه المنظومة و من يسندها . اما الجانب الفلسطيني فهو قد تجاوز هذه المرحلة من الاساس و يعرف جيداً ان ختم الدم هو وحده من سيصنع التحرير من الاحتلال و السيطرة الموجودة على اراضيه او جزء من  اراضيه , لذلك فان عملية طوفان الاقصى هي بذاتها تصنع ختم الدم الذي  يكشف مدى رعب و خوف عدوه و ما هي الايدي  الخفية التي تسنده و تدعمه , و حتى ان انتهى الطرف المقاوم – ولا يبدو انه سينتهي – فان المنظومة المستبدة تعلم جيداً ان هذه الابادة الجماعية سيخرج من دمائها جيل مدرك لما فعلته و ستسعى لرد الثأر غالياً بل ستكون كابوساً يطارد لياليهم دوماً كون ان قيامه في اي يوم ممكن . ببساطة ان من يسال نفسه كيف يمكن لقلب بشري ان  يتحمل منظر الابادة الجماعية و التطهير العرقي الذي اتبعته  الحكومة الاسرائيلية يجب  ان يدرك ان الخوف من المستقبل هو اكثر رعباً بداخل المستبد من منظر الابادة , بل ان الابادة تزيد رعبه حين لا يتأكد  من نجاحها كون ان من يخرج منها قد يكون هو من سينهي وجوده في هذا العالم و في هذه السلطة .

ان اخر نوع من  انواع المنظمات السياسية تقل فيها وجود احتجاجات شعبية  او اعتراضات على الحكم سوى بشكل بسيط و ممكن  معالجته , و يتم هذا العلاج من خلال استخدام الطريقة الاولى و من النادر الحاجة الى استخدام الطريقة الثانية كون ان هذه الحكومات تكون جزءاً من كيان خارجي قومي او دول متحدة ما يجعل التأييد الاكبر للشعوب سواء من الحكومات الخارجية او من شعوبهم , لذلك ان الرفض الاعتراضي هو دائماً  انسب حل للدول الاتحادية او الدول صاحبة ارتباطات بكيانات كبرى , و هذا  كما اسلفنا الذكر احد المميزات التي تجعلنا ندعم هذه الفكرة كونها تصب  في مصلحة الشعوب المتقاربة فكرياً او جغرافياً او قومياً او حتى دينياً ان كانت بإرادة الشعب طبعاً .

خلاصة هذا البحث هو ان هناك شيئين في الحياة يستحال وجودهما دون سفك دماء : خلق طفل و خلق وطن ,  و ان الشعوب المستعمرة لا يمكن ان تحصل على تحررها من خلال ثورات سلمية غير منتظمة فكرياً , بل ان الشعوب التي تثور بفطرتها تستطيع ان تسقط حكماً لا يد له سواهم , اما التي لها يد خارج اسوارهم فلن تسقط بدون قائد او بديل لهذا الحكم . ان منظومة التحليل النقدية السياسية الحديثة يجب ان تغير مركزية تحليلها و تبني على حكم الشعب لا حكم الدولة , لان الشعب هو من يجب ان يقرر طريقة حكمه و ادارة شؤونه  بغض  النظر عن  شكل المنظومة الحاكمة , و ان كل شكل من اشكال المنظومات الدولية الحديثة يجب التعامل معها بشكل مختلف عن  الاخر على حسب نوع الحكم الذي فصلنا تقسيماته . و الحكمة الجوهرية التي نسعى لها في هذا العصر الحديث من خلال هذا البحث هو ان لا خيار لأي شعب في اثنتين : ان يُحكم قسراً و  ان يُحكم مُستعمراً , لان الشعب الذي يصل الى هذا المستوى قد اخذت سنين الاستبداد فكرة الارادة الحرة و الحكم الذاتي و جعلته يتخلى عن جوهره الانساني الذي ينص على ان لا سلطه عليه سوى نفسه  او من يقرر ان تكون عليها . و ان صبرنا او انتظارنا ان جاز التعبير لأجل تحرير دولة ما  مستبدة او مستوطنة استعمارية بدون مواجهة ثورية لن يتحقق ذلك و ان انتهى الكون او قدمت الساعة , فيجب ان يدرك الجميع ان شيئين من المستحيل خلقهما دون دم : خلق طفل و خلق وطن , لان ختم الدم هو الشرط الاساسي لوجودهما و لأحقية وجودهما في هذا الارض , لذا فاجعلوا الدماء تسفك بيد المستبدين  و المحتلين الى اليوم الذي يصبح كابوسهم حقيقة و ينتهون بأيدي شعوبهم التي سعوا الى ابادتها .

شاهد أيضاً

الكاتبة الصغيرة

بقلم: دانية الراوي ـ العراق  سنعيش في هذه الحياة على شيء اسمه الصبر والأمل الكبير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.