الأضواء / كر بلاء / مريم حميد الياسري
المقدسة
أول وأهم درس في مادة طرائق التدريس هو دخول المعلم ، المدرس الاستاذ أيّا كانت صفته أو وظيفته التعليمية إلى قاعة العلم، فأقول إنّ دخول المعلم (بدءًا من معلم الابتدائية وحتى الاستاذ الجامعي) لأول مرة على طلبته مهم جدا مثل: دخول الممثل على المسرح للمرة الأولى التي تساهم بنسبة ما بتحديد نجوميته من عدمها، الدخول الأول هو بطاقة تعريفية تسجل في ذاكرة الطالب الذي قد ينسى ماذا تناول في عشاء البارحة، أو غداء اليوم أو ينسى اسم جده الخامس، قريباته من الدرجة الثالثة إلا دخول استاذه للمرة الأولى في قاعة العلم التي يتواجد فيها، وحديث الطالب لأول مرة حديث مهم لا يقل أهمية عن حديث الممثل الذي يظهر على المسرح لأول مرة أو عن الحديث الذي يجريه صحفي ناشئ لأول مرة، وفي أول أيام الفصل الأول والزملاء بانتظار اطلالة استاذ مادة (قضايا النظام الدولي)، دخل علينا رجل دخولًا سينمائيًا غريبًا وسريعًا لم أتبين ملامحه التي أخفتها الكمامة، كنت منحنية على بعض الأوراق أكتب حين دخل رجل أشرابت أعناق القاعة كلها نحوه، وأخذت ترقبه حتى وصل المنصة بخطى سريعة، ألقى التحية وقدم نفسه، كنت قد رفعت نظري لأراه حين دخل القاعة لكن تربيتي الصارمة التي تحتم علي غض البصر وعدم النظر لرجل جعلتني أعود وأخفض رأسي بسرعة قبل أن اتعرف على ملامحه أو لغة الجسد لديه، فعدت لأوراقي، وبدأ همس الزملاء يتسلل لأذني إذ شرعوا بتفسير شخصيته عبر أطلالته الأولى، فقال أحدهم: ابن شيوخ، وقال الآخر: هارب من نظرية الكاريزما هذا لكثرة ما قرأ عن نظرية الكاريزما تشبع بها فظهرت على وجهه، لا لغة الجسد لديه تعكس لغة أهل المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها،
يا ربي لم الزملاء يتساءلون؟ رفعت رأسي عن الأوراق وفوجئت بحضور طاغي، ووسامة تذكر بكلارك غيبل بطل الفيلم السينمائي الاشهر (ذهب مع الريح1939م )، كاريزما منقطعة النظير تذكرني بموقف حدث لي مع الممثل الفرنسي آلان ديلون، كنت يومها اقطع الطريق من من المطبخ مرورا بغرفة المعيشة إلى إحدى الغرف وكان أخوتي اجتمعوا لمشاهدة برنامج ما، وبسبب تعب الذي كنت أحس به يومها قررت ألا أتابع معهم البرنامج، لكن هناك عيون استوقفتني وقاطعت خطواتي حين رفعت رأسي ونظرت إليها كانت عيون آلان ديلون وقد تجاوز الثمانين من عمره في حديثه مع منى الشرقاوي، لا يفعل شيئا رجل يجلس على كرسي وهو في الثمانين ما هذه الجاذبية التي أوقفتني، الأمر ذاته مع د. أحمد عبد الأمير الانباري خطوات سريعة لفتت انتباه قاعة تضم قسمي الدراسات الدولية والنظم السياسية.
ومنذ الوهلة الأولى أحس الجميع بمهابته المخيفة وجديته الحازمة التي تجعل الطالب يحذر أداوته التدريسية حتى يتعرف على جانبه الإنساني فيضمن العدل والرحمة، وهو مثال لبيت الفرزدق القائل: سَهْلُ الخَلِيقَةِ لا تُخشى بَوَادِرُهُ يَزِينُهُ اثنانِ: حُسنُ الخَلقِ وَالشّيمُ
التدريسي العالم الواثق من نفسه الذي يريد أن ينقل هذه الثقة إلى تلاميذه، ذو رؤية بعيدة في التعليم
متمكن من أدواته النفسية في التعامل مع الطالب مع خلقه الإنساني الذي أشرت إليه، فرؤيته البعيدة تهدف إلى تثقيف الطالب على كافة الاصعدة المتعلقة بالعلوم السياسية عبر سياسة ناعمة فمثلًا في كل أسبوع كان يكلف طالبًا بإن يحضر الاسبوع القادم الجذر اللغوي للكلمة أو أيّ المصطلحين هو الأصح في الكتابة العلمية من مصدر موثوق، مثلما كلفني أيهما الأصح (يعد أم يعتبر)، وقد لجأت وقتها لدكتور (علي حسين يوسف) الذي زودني بالحجة أيضا فقبلها الدكتور، كذلك أيضًا كيفية أخذ الاحصائيات الدقيقة من موقع البنك الدولي، وكيفية عمل الاحصائيات لمعرفة الناتج المحلي، ومعاني بعض مفردات الإحصاء، ووجه بضرورة أنْ يعرف كل طالب تسلسل رؤوساء الدول التي تمثل القوة العظمى ومعرفة نبذة عن السيرة الذاتية لكل منهم وسياسيته، كانت محاضراته درسًا في شحذ الأفكار وايقاظ الذهن والسعي إلى المعلومة مع تقديس قيمتها والدقة في كل تصرف، ومن ذكرياتي مع المحاضرة الأولى.
أنْ كلفت أنا وزميلي عباس الذي أناديه دائما اخي عباس بكتابة ورقة بحثية نقدمها في الأسبوع القادم مناصفة، وقد فعلنا وكنا يومها مبتدئين لم نتعلم بعد كيف ننظم كتابة الهامش، أو ننضد ورقة البحث ونضبط فنياتها
تقدم اخي عباس أولًا لتقديم ورقته البحثية فسأله الدكتور هل ستقرأ في الورقة أم تشرح دون نظر إليها.
فأجاب: عباس “سأقرأ في الورقة”، هنا أجاب الدكتور الجواب الصادم لنا جميعا وهو أول درس في الأستاذية. وقد سمعته من قبل من امي ولم استوعبه، سينقص من درجتك فالاستاذ يشرح دون عودة إلى الأوراق فلما جاء دوري وسألني السؤال ذاته قلت لا أنا سأقدم شرحًا دون النظر في الورقة وفعلًا اعتليت المنصة، وأنا أرتجف من مهابة الدكتور ودقته، ولأن زملائي لا يستهان أبدا بمستواهم العلمي والثقافي في الشأن الدولي وكلهم متابع دقيق.
أخفيت يدي وراء ورقتي حتى لا يلاحظ أحد ارتجافهما، ومنّ الله علي أنْ بقي الدكتور واقفًا على بعد مترين من المنصة يعني بمحاذاتي، فلو جلس بين الطلبة كما يفعل بعض الأساتذة لزاد ارتباكي، أكملت تقديمي وفوجئت بثنائه علي، ظننت أنّه يشجعني أو عطف على ارتباكي؛ لكن استمر ثناؤه على تقديمي طيلة الفصل الأول، وطلب من زملائي الاطلاع على ورقتي للاستفادة منها. معقول؟ لكن الورقة فيها الكثير من الأخطاء، ولم أعرف كيف أوثق المصدر في الهامش، يوم تسليم الأوراق البحثية كنت آخر من يسلم ورقته وضعتها على المنصة وضعت يدي عليها، وخاطبت الدكتور بصوت خافت دكتور ارتكبت حماقة في البحث.
لا حاشاك، ما الأمر؟.
فتحت الورقة البحثية وأشرت إلى الهامش وأغلقتها بسرعة، فهم الدكتور إني لا أريد أن يسمع أحد ملاحظاته لي، فأشار لي أنْ أرجع إلى مكاني.
بعدها بدقائق قصدني ووضع قصاصة على بحثي، وقد كتب فيها مثالا لتوثيق المصدر في الهامش. وعاد للمنصة أعاد ثناؤه على بحثي، وقال لزملاء الاسبوع القادم: “أطلعوا على بحث مريم”، وذلك حتى يتسنى لي تصحيح الهوامش، وأتذكر موقف آخر بأسلوب تعليمي مختلف إذ ترجل من المنصة يوم ما، ومشى نحو مقاعد الطلبة فظننت إنه يقصدني فخفت ماذا فعلت أنا؟
لكن توقف عند مجلس الاستاذ رعد الذي يتقدمني بمقعد، مابه رعد، مالذي بدر منه حتى يتجه الدكتور له، وتوجهت نحوه كل أعين الزملاء،
فما كان من دكتور أحمد إلّا أنْ أزال بعض الغبار الخفيف عن كتف رعد وعدل ياقته، هذا الموقف يعكس الكثير من دقة الملاحظة والتقدير لطالب منهمك بالدراسة بحيث نسي أن يعدل ياقته، ولم ينتبه إلى الغبار الذي أصابه، وهو نصيحة بالحرص على الالتزام بضوابط الاعتناء بالزي الرسمي الخاص بطالب دراسات دولية، قد يكون ممثلًا للبلد يومًا ما،
ومرة أسلوب آخر يكون فيه الاب الحريص الذي يريد من أبنه الطالب التهيؤ للامتحان لا سجال التعب النفسي، والدرجات ففي نهاية الفصل الدراسي حدد موعدًا امتحان وكانت المادة قليلة فأخذت أقرأها وأعيد وأعيد حتى أعدتها (12) في اليوم التالي وقبل الامتحان بساعة سألني زميلي استاذ محمد ست مريم تبدين مجهدة هل انتحرتي في القراءة؟
فأجبته: لا لكن أعدتها (13) مرة. قال: اللهم صلّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله. وعندما دخل الدكتور القاعة وبدأ يسأل عن التجهز للامتحان بادره زميلي استاذ محمد ست مريم قرأت المادة (13) مرة. فقال دكتور: خلاص، الامتحان ملغي كنت أريد كم تقرؤون. وبالفعل جاءت درجاتنا ممتازة في نهاية الفصل، وأصر معظم الزملاء على توديع الدكتور حتى بوابة الجامعة الرئيسية، وقد ترك في نفوس طلبته ما هو أثمن من ذهب الكلام وفضة المعنى.
جريدة الاضواء الالكترونية
