كتب :علي العلي التميمي
في كل عام تزحف الملايين من كل حدب وصوب نحو كعبة الأحرار ومنارة الأبرار كربلاء الخالدة لتجدد العهد مع الإمام الحسين عليه السلام وتؤكد أن المبادئ التي سقيت بالدماء الزكية لا تموت وأن الرسالات العظيمة تبقى نابضة في ضمير الأمة مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الوجوه وأن طريق كربلاء لم يعد مجرد طريق يسلكه الزائرون بل أصبح نهجا تتوارثه الأجيال وعهدا يتجدد مع كل خطوة يخطوها عاشق صوب مرقد سيد الشهداء واخيه ابي الفضل واهل بيتهم وانصارهم الشهداء الابرار
لقد كانت واقعة الطف أعظم مأساة شهدها التاريخ الإسلامي حين تمكن الطغيان من رقاب الاتقياء الانقياء واستبد الهوى بأصحاب السلطان حتى بلغت الجريمة ذروتها بقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه والتمثيل بأجسادهم الطاهرة وسبي نسائهم في مشهد بقي شاهدا على أن الظلم إذا تجرد من القيم لا يعرف حرمة لدين ولا لإنسان وأن من باعوا ضمائرهم من أجل متاع زائل ودنيا فانية لم يترددوا في ارتكاب أبشع جريمة عرفها التاريخ طمعا في دينار أو درهم أو منصب زائل![]()
ثم جاءت قرون طويلة حاول فيها أصحاب السلطان طمس الحقيقة وتشويه الوقائع وتزوير التاريخ حتى أصبح السائر بطريق كربلاء محط اتهام وتشويه وتعاقبت الأنظمة المستبدة وورثت نهج بني أمية فاستهدفت العلماء والمصلحين والأحرار وظنت أن السيف قادر على إسكات الكلمة وأن الإرهاب يستطيع أن يطفئ نور الرسالة غير أن دماء الشهداء كانت في كل مرة توقظ الضمائر وتبعث الحياة في وجدان الأمة من جديد فكان حكم البعث وصدام من اعنف الانظمة المستخفة بالمقدسات والارواح فقتلت الصدرين ونخبة من العلماء والاساتذة والمفكرين
وبالأمس القريب اعادت الجماعات الإرهابية إنتاج ذلك الفكر الدموي حين استباحت الدماء والمقدسات وسعت إلى بث الرعب والخراب فكانت جرائمها امتدادا لذلك النهج المنحرف الذي لا يرى في الإنسان إلا هدفا للقتل ولا في العقيدة إلا وسيلة للتكفير وجريمة سبايكر شاهد على دمويتهم واستهتارهم مع كل هذه التضحيات اصطدمت هذه الجماعات بأمة جعلت من الامام الحسين مدرسة ومن كربلاء هوية ومن التضحية عنوانا لا يمكن محوه مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات
ومن هنا أصبحت مشاية الأربعين أعظم من أن توصف بأنها مناسبة دينية لأنها تحولت إلى رسالة إنسانية عالمية تجتمع فيها الشعوب على اختلاف ألسنتها وألوانها وأعراقها تحت راية واحدة عنوانها المحبة والإيثار والتكافل في اطول مارثون حسيني في التاريخ فتجد الغني إلى جانب الفقير والقوي إلى جانب الضعيف والعالم إلى جانب البسيط وكلهم يتسابقون في خدمة بعضهم بعضا وكأن الامام الحسين عليه السلام قد جمعهم على خلق واحد وروح واحدة وغاية واحدة هي نصرة الحق وإحياء قيم العدل والكرامة….
إن كل خطوة يخطوها الزائر نحو كربلاء هي إعلان متجدد بأن الحق لا يموت وأن الدم الطاهر أبقى من السيف وأن التضحية في سبيل العقيدة هي التي تصنع تاريخ الأمم وأن الأقدام المتعبة والوجوه التي أرهقها السفر والأيدي التي تقدم الماء والطعام والخدمة دون مقابل إنما ترسم للعالم صورة حضارية لا نظير لها وتجسد أعظم معاني البذل والعطاء والوفاء وان حصلت بعض السلبيات فهي طبيعية لهكذا حشود يسلط عليها الحاقدون للنيل من هذا الينبوع الطاهر المتجذر
ولهذا ستبقى كربلاء قبلة الأحرار وستبقى مشاية الأربعين أعظم ملحمة إيمانية وإنسانية يشهدها العالم لأنها ليست مسيرة أقدام فحسب بل مسيرة قيم ومبادئ وعقيدة ووفاء وستظل صيحة لبيك يا حسين تتردد في ضمير الأحرار جيلا بعد جيل لتؤكد أن رسالة الإمام الحسين عليه السلام باقية ما بقي الحق وأن رايته ستظل خفاقة ما دام في الأرض إنسان يرفض الذل ويؤمن بأن الكرامة أثمن من الحياة وأن طريق كربلاء هو الطريق الذي لا ينتهي لأنه يبدأ من القلب وينتهي عند الله
اللهم ارزقنا زيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الاخرة انك سميع مجيب
