الرئيسية / تقارير ومقابلات / الدكتور المصري عاطف عتمان في ضيافة الأضواء

الدكتور المصري عاطف عتمان في ضيافة الأضواء

حاوره / حامد الزيادي 

من نافذة صحيفة الأضواء واهتمامها الراسخ برعاية الابداع والجهد الانساني الخلاق نلتقي اليوم في هذا الفضاء الفكري لنحتفي بمسيرة استثنائية نعيد للذات البشرية اصالتها وتوازنها الشعوري، أن رسالتنا تنطلق من الانحياز التام للانسان والبحث الدؤوب عن المناهج التنويرية التي تحرر الوعي من قوالبه الجامدة
وضمن هذا السعي المعرفي نستضيف اليوم قامة فكرية وثقافية مميزة غاصت في أعماق الروح والجسد والمشاهد الانسانية نرحب معا بالمرشد الشعوري والشمولي الدكتور المصري عاطف عتمان لنفك معه (شفرة الذات ) ونبحر في رحلة التعافي .
دكتور عاطف اهلا بك معنا ونبدا حوارنا من المحور الأولى البدايات والتكوين العلمي

المحور الأول: البدايات والتكوين العلمي
س1 (البدايات والشغف):
دكتور عاطف، يمثل انتقالكم إلى عالم الإرشاد الشعوري الشمولي وتقنيات التحرر الطاقي تحولاً فكرياً ومهنياً عميقاً. كيف بدأت رحلتكم في هذا التخصص؟ وما اللحظة أو “الشرارة الأولى” التي أدركتم فيها أن المدرسة النفسية التقليدية، القائمة على الحوار والتحليل وحدهما، قد لا تكون كافية لتحقيق التعافي؟
أهلا بكم أستاذ حامد وكلي امتنان لاهتمامكم وهذا الحوار الذي أشتاق إليه بعد غياب..
الرحلة طويلة وليس تحول درامي مفاجئ.. ربما التحول فقط في محاولة مساعدة الغير.
أما الرحلة فهي ممتدة في إطار واسع وهو محاولة البحث عن المعنى في رحلة الحياة وفهم النفس البشرية من زوايا متعددة.
رحلة حضر فيها الدين والفلسفة والتصوف وعلم النفس وفلسلفات الشرق الروحية والتخصص الأصلي في الصيدلية..
لم تشبع صيدلة الأجساد أسئلتي فكان البحث عن صيدلة النفس والروح.
رحلتي هي رحلة ذاتية بامتياز وإهتمامي بالنفس البشرية وأهمها نفسي بدأ من الدين بل والقراءة النفسية للنصوص وكيف تتأثر النصوص ونقلها أو كتابتها بالكاتب وشخصيته وتكوينها وصدماته وتأثيرها.
درست علم الألوان لماكس لوشر ونظرية الميتاهيلث للالماني هامر وربطها اضطراب المشاعر بالأمراض ولي تجارب مع مدارس العلاج المعرفي السلوكي وال EMDR.. وانبهرت بمدرسة كارل يونج في التحليل النفسي وتقنيات EFT.
مدرسة زيفوراد سلافينسكي التي طورها عبر تقنيات تحرير المشاعر تلقينها من المدرية نور البكري التي تدربت على أيدي سلافينسكي..
بعيدا عن التقنيات تعمقت في فلسفة سلافينسكي التي جمعت علم النفس والروحانية الشرقية والفلسفة في محاولة لفك شفرة الذات الإنسانية..
العقل البشري والنفس الإنسانية من التعقيد بحيث لا يكفي النظر لهم من منظور واحد لذا تعددت زوايا رؤيتي ومع ذلك فأنا على شاطئ المعرفة فيما يخصهم.
حاليا أدرس منظور مختلف وهو العلاج الجسدي لتحرير الصدمات.
أيضا أدرس العلاج التراحمي من خلال التواصل اللاعنيف NVC واستخدامه مع علوم الأعصاب Neuroscience مع رائد العلاج التراحمي في الوطن العربي الدكتور أحمد ضبيع رئيس الجمعية المصرية للعلاج التراحمي.
وتظل الرحلة مستمرة ما استمرت التجربة الأرضية
س2 (طبيعة التخصص وأساسه العلمي):
يختلط الأمر على كثيرين بين علم النفس العيادي التقليدي والإرشاد الشمولي (Holistic Coaching). كيف تشرحون طبيعة تكوينكم العلمي؟ وهل تنطلقون من أرضية علم النفس الأكاديمي، أم من مقاربة تجمع بين البيولوجيا، وتقنيات الطاقة الحيوية، وأبحاث الجهاز العصبي؟ وكيف تتكامل هذه الحقول في منهجكم؟
أنا انطلق من نظرة شمولية للإنسان كونه جسد فيه روح ونفس وعقل ولكل مكوناته..
أحترم العلم التقليدي وتخصصاته المختلفة وأتبنى الكوتشنج من المنظور الشمولي.
كل مدرسة وكل تخصص له دوره بداية من العقاقير الطبية التي ينفرد بعا الأطباء النفسيين مرورا بالمدارس العلاجية المختلفة التي يستخدمها المعالجين.
لي تكوين علمي وثقافي واسع لكن أنا اخترت عالم المشاعر من خلال تقنيات تحرير المشاعر لزيفوراد سلافينسكي وتقنيات العلاج الجسدي للصدمات نموذج بيتر ليفين والعلاج التراحمي.
الثلاثة يجمعهم المشاعر والاحساس الجسدي وتلبية الاحتياجات الإنسانية باستراتيجيات آمنه وتواصل رحيم مع الذات والآخر مما يجعل الجهاز العصبي في حالة آمان واسترخاء لأطول فترة ممكنة.

س3 (الاعتماد المهني وتقنيات PEAT):
أنتم ممارس معتمد لتقنيات PEAT، وهي منظومة متقدمة لتطوير الذات وتحرير المشاعر السلبية أسسها عالم النفس الصربي زيفوراد سلافينسكي. متى وأين تلقيتم هذا التدريب؟ وكم استغرقت رحلتكم من الدراسة والتطبيق العملي حتى أصبحتم مرشداً معتمداً ومتخصصاً في هذا المجال؟
تقنيات PEAT جزء من الرحلة وذكرت في المقدمة علاقتي بمدرسة التكنولوجيا الروحية

المحور الثاني: فلسفة الصدمة والتعافي
س4 (الجروح المجمدة):
في أطروحاتكم عبر “أريام أفكاري”، تؤكدون أن الجسد يترجم الصدمات النفسية والبيولوجية إلى ما تسمونه “الجروح الطاقية المجمدة”. كيف يستطيع الإنسان العادي التعرف إلى هذه الجروح داخل جسده قبل أن تتحول إلى أنماط سلوكية تعيق حياته؟
الصدمة ليست شر مطلق بل هي الدرس قي الرحلة الأرضية التحرر منها يجعلك كالفراشة التي تحررت من الشرنقة.. هذا الألم كما يقول جلال الدين الرومي هو الشقوق التي يعبر منها النور إلى القلب..
أول صدمة للإنسان هي الترك.. تحدث لحظة الخروج من الرحم الآمن للأرض مختبر تجربته مع الصرخة الأولى.
فترة الطفولة حتى سن 12 سنة تقريبا هي الفترة التي تحدد بشكل كبير مسار الإنسان في الرحلة وهل سيعيش أسير صدماته التي شكلت كيانه وشخصيته أم يتحرر ليصبح هو السيد وتصبح صدماته دروس حياته.
البعض يظن أن الصدمة هي كارثة أو حدث جلل!
في الحقيقة هذه تسمى big trauma لكن الأهم والأخطر الصدمات الصغيرة المتكررة مثل الإهمال العاطفي للأطفال.. يكفي أن أقول أن أي توقع غير ملبى للطفل يسبب صدمة وأن الصدمة ليست في الحدث بل في طريقة تفسيره وتعامل الإنسان معه لذلك نفس الحدث قد يسبب صدمة لفرد ولا يسبب لشقيقه.
يمكنني أن أزعم أن الإنسان هنا لتعرف على صدماته ورسائلها ويتحرر منها في رحلة مجاهدة للعودة للأصل الفطري.
س5 (الصدمات الصامتة):
أشرتم إلى أن غياب الفعل الآمن، كالإهمال أو التراكمات المؤلمة في الطفولة، يعد صدمة لا تقل خطورة عن العنف المباشر. كيف تشكل هذه الصدمات الصامتة “الشيفرة الأولى” التي يرى الإنسان من خلالها العالم؟ وكيف تؤثر في إحساسه بالأمان وبذاته؟
بالفعل الإهمال العاطفي للأطفال هو الأخطر فجهاز الطفل الشعوري غير ناضج لتحمل الكثافة الشعورية الناتجة عن الإهمال.الإهمال المتكرر والعنف في الطفولة لا يؤثران فقط على نفسية الطفل بل حجم أجزاء المخ وهناك بحث شهير لعالم النفس بروس بيري عن أثر كل من الإهمال المتكرر والعنف على حجم أجزاء المخ المختلفة.
الأم والأب ثم البيئة والمدرسة والإعلام وحاليا السوشيال ميديا هم ركائز بلورة شخصية الإنسان وجهازه العصبي

س6 (فخ الفهم العقلي):
يعتقد كثيرون أن قراءة الكتب في علم النفس وتحليل الصدمات تمثل بداية التعافي، بينما تصفون ذلك أحياناً بـ”فخ الفهم العقلي” (Intellectualization). كيف يتحول الوعي النظري إلى آلية دفاعية أو “صنم ذهني” يبعد الإنسان عن مواجهة ألمه الحقيقي؟
المدارس النفسية عادة تدخل في خصام ما بين مدارس علم النفس التقليدي وبعضها البعض ومدارس علم النفس الطاقي ومدارس العلاج الجسدي.. كل يرى من منظوره وأن أرى أنها تكاملية فكل حالة لها ما يناسبها.. أحيانا كثيرة بعد تعديل الأفكار يقتنع الإنسان عقليا أنه آمن الآن لكن شعوره بالتهديد موجود بأن جسده ومشاعره عالقين في لحظة الصدمة لذلك يفضل العودة على خط الزمن وتحرير تلك المشاعر.. الفهم العقلي وحده لا يكفي.
اللاوعي خطير جدا في التحكم الخفي في سلوك الإنسان وما لم يقبل الإنسان ظلاله ويتعامل معها ستظل تديره في الخلفية دون أن يدري ويظل جهازة العصبي يعمل تحت نظام التهديد مما يسبب له الإرهاق والأمراض الجسدية
س7(الإدراك المعرفي والتحرر الشعوري):
ذكرتم قصة عميلكم “عمر” الذي قال: “أفهم مشكلتي، لكن الخنقة ما زالت موجودة”. ما الحدود الفاصلة بين الإدراك المعرفي والتحرر الشعوري؟ ولماذا يعجز العقل وحده عن شفاء ما خزنه الجهاز العصبي؟
المخ في الحالة الطبيعية يعمل بتناغم وتكامل أما في حالة الصدمة نفقد هذا التناغم فيعجز الحصين عن معالجة الذكريات بشكل طبيعي وتوقف القشرة المخية عن العمل ويصبح جهاز الانذار والحماية هو المسيطر وهنا تتهزن الذكريات الصدمية بصورة غير طبيعية كثير منها فيما يطلق عليه الذاكرة الضمنية الإجرائية.. هناك مشاعر تم تخزينها في الجسم وهناك معتقد تكون في اللاوعي لذلك كونك تعرف منطقيا ما حدث وأنك آمن وأن الحدث انتهى لا يفيد كثيرا في حالة جسم مثار نتيجة تفعيل دائرة الصدمة وهنا نحتاج تهدئة الجهاز العصبي وتحرير المشاعر المخزنة في الجسد… ربما بعد تحرير المشاعر المكبوتة وهدوء الجهاز العصبي وعودة القشرة الدماغية الأمامية لحالتها الطبيعية يكون هنا دور الحالة المعرفية.

المحور الثالث: المنهج العلاجي ورسالة التعافي
س8 (المراكز الثلاثة للإنسان):
تتحدثون عن تأثر المراكز الثلاثة للإنسان بالصدمة: العقلي، والعاطفي، والجسدي، وأن المركز العقلي قد يقع في صراع بين معتقدات متناقضة. كيف تسهم إعادة التوازن بين هذه المراكز في تحرير الإنسان من القوالب الجامدة وإعادته إلى حالة الصيرورة والتدفق الحيوي؟
حوارنا الأول كان عن الإنسانية وهنا أقول فهم النفس البشرية ودوافه سلوكها والتراحم مع الذات والآخر بحثا عن الأسباب والإحتياجات بدلا من الإدانة وإصدار الأحكام هو طريق التواصل الرحيم والتعايش الإنساني.. فخلف كل عنف ألم.
س9 (الحدود الصحية):
تشيرون إلى أن الصدمة قد تدفع الإنسان إما إلى الانفتاح المفرط وإما إلى بناء جدران نفسية صلبة. كيف يساعد الإرشاد الشعوري الشمولي في بناء حدود صحية تحفظ أصالة الذات وخصوصيتها دون أن تقود إلى العزلة أو القطيعة مع الآخرين؟
أثناء الصدمة يتعمل الجهاز المعرفي عن العمل وعند وجود المحفزات تثار اللوزة الدماغية المسؤولة عن معالجة الخطر والتهديد ولا تعمل القشرة الجبهية لذلك لا قيمة للتدخل المعرفي أثناء ثورة اللوزة الدماغية
عند تهدئة اللوزة الدماغية تبدأ القشرة المخية المسؤولة عن التفكير المنطقي في العمل وهنا يصبح فعل الإنسان فعل محسوب وليس رد فعل آلي الإنسان بطبعة كائن مضطرب شعوريا.. تعريفنا للإتزان ليس عدم الحزن أو الغضب أو التحكم في المشاعر.. بل إدارة المشاعر وفهمها.. الإتزان هو المرونة الشعورية أي تستطيع استعادة إتزانك كلما اضطربت.. وإدارة المشاعر تعني فهمها والرسالة خلفها وقبولها والتعبير عنها بطريقة آمنة لا تضرك أو تضر الآخر.

س10 (آلية عمل تقنيات PEAT):
بصفتكم ممارساً معتمداً لتقنيات PEAT، كيف تعمل هذه التقنيات عملياً في التعامل مع المشاعر المتجمدة؟ وكيف تفسرون دورها في مساعدة الإنسان على استعادة الاتزان الشعوري؟
تقنيات PEAT
لا نستخدمها لو الجهاز العصبي مثار.. التعامل مع النفس حساس جدا ومعرفة متى تسبح ومتى تغوص في المشاعر هي المهارة الأهم.. هناك تحرير جسدي وتهدئة للجهاز العصبي.. ورحلة رحيمة نحو أعماق المشاعر لمعرفتها وتسميتها وقبولها ومن ثم تتحرر.. الأحاسيس الجسدية مهمة جدا وزيفوراد يتعامل مع 4 ابعاد في تقتياته.. الصورة.. الفكرة.. الشعور.. الإحساس الجسدي

س11 (رسالة أخيرة):
ختاماً دكتور عاطف، إذا أردنا تلخيص “شيفرة الذات” في رحلة التعافي الشمولي، فكيف يغير الوعي علاقتنا بالماضي ليعيد تشكيل حاضرنا؟ وما رسالتكم لكل من يفهم ألمه على المستوى العقلي، لكنه لا يزال عاجزاً عن تجاوزه على المستوى الشعوري؟
الوعي أن تكون أنت السيد ولا تدار بل تدير.. أن تدرك أنك لست أفكارك ولا ومشاعرك ولا آلامك.. بل أن الشاهد ولست المشهد.
وعيك بذلك يجعلك تدير مشهدك وأنت الفاعل فيه فإن كان الألم قدري فالمعاناة اختيار.
ممنون لهذه الفرصة الرائعة التي ارتجلت في الإجابة عليها وأنا أشرب الشاي تحت شجرتي المفضلة وأتمنى أن تكون ذاكرتي قد اسعفتني لإنارة بعض الزوايا.
شكرا على الإعداد المتميز للأسئلة ومن هنا إلى بغداد وشخصكم الكريم أسمى آيات التراحم بين البشر

شاهد أيضاً

عشيرة النصيري في قضاء اَلِمْدَيْنَة في كتابات الباحث البصري الدكتور مشتاق عيدان أعبيد الحلقة الأولى

كتب/ أسعد شهاب اللامي تمثل كتابات الباحث الدكتور مشتاق عيدان أعبيد (كونّهً أحد أساتذة التاريخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *