كتبت : شيماء لطيف القطراني
لطالما ارتبط مفهوم الأنوثة في أذهان كثيرين بالمظهر الخارجي ، والأناقة والأملامح الجميلة ، حتى أصبحت بعض النساء يعتقدن أن الحفاظ على أنوثتهن يقتصر على الاهتمام بالملابس أو مستحضرات التجميل .
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير ؛ فالأنوثة ليست صورة تلتقط ولا مظهراً يزين الجسد ، بل هي انعكاس لصحة متوازنة ، ونفس مستقرة وعقل وا عٍ وشخصية تعرف قيمتها وتحترم ذاتها .
وفي ظل تسارع إيقاع الحياة ، وتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية ، وتنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي ، أصبحت المرأة تواجه تحديات يومية قد تستنزف طاقتها وتؤثر في صحتها النفسية والجسدية ؛ فإن الحديث عن مدمرات الأنوثة ، لا يعني الحديث عن الشكل أو العمر وإنما عن كل ما يضعف صحة المرأة ، ويؤثر في توازنها ، ويجعلها تفقد إحساسها بالراحة والثقة والرضا عن نفسها .
من أخطر ما قد تواجهه المرأة أن تبدأ بالنظر إلى نفسها من خلال أحكام الآخرين ، فعندما يصبح رضا الناس هو المقياس الوحيد لقيمتها ، تدخل في دائرة لا تنتهي من السعي لإثبات نفسها ، وقد تهمل احتياجاتها وحقوقها في سبيل الحصول على القبول .![]()
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ، ترى المرأة صوراً مثالية للجمال أو النجاح أو الحياة الأسرية، وتنسى أن ما ينشر غالباً لحظات مختارة وليس الواقع بكل تفاصيله ، فالمقارنة المستمرة تضعف الرضا عن النفس، وتدفع الإنسان إلى تجاهل نعمه وإنجازاته ، بينما يبدأ السلام الداخلي عندما يدرك كل شخص أن له طريقة المختلف وظروفه الخاصة.
احترام الذات لا يعني الغرور ، بل هو إدراك الإنسان لكرامته ، ورفضه للإهانة أوالتقليل من شأنه ، وقدرته على وضع حدود صحية في علاقاته ، فالمرأة التي تحترم نفسها تتعامل مع الآخرين بثقة واتزان ، دون أن تسمح لأحد بالانتقاص من قيمتها.
تتجاهل كثير من النساء احتياجات أجسادهن بسبب الانشغال بالعمل أو الأسرة أو المسؤوليات اليومية ، فقلة النوم وسوء التغذية وإهمال النشاط البدني وعدم إجراء الفحوصات الدورية ، كلها عوامل تؤثر في النشاط العام، وقد تنعكس على المزاج والتركيز والصحة مع مرور الوقت .
ولا يعني الاهتمام بالصحة السعي إلى الكمال ، بل تبني عادات بسيطة ومستدامة ، مثل النوم لساعات كافية ، وتناول غذاء متوازن ، وشرب الماء ، وممارسة نشاط بدني مناسب ، وهي خطوات تعود بالنفع على الجسم والنفس معاً ، لا يقتصر جمال المرأة على مظهرها بل يتجلى أيضاً في ثقافتها وأسلوبها وقدرتها على التفكير والحوار ، فالقراءة والتعلم واكتساب المهارات ، والمشاركة في الأنشطة الثقافية والاجتماعية ، كلها وسائل تعزز الثقة بالنفس وتفتح أفاقاً ، فالمرأة التي تنمي عقلها باستمرار تبني شخصية متوازنة ، قادرة على اتخاذ القرار ، ومواجهة التحديات والمساهمة في مجتمعها بوعي وثقة.
التوازن مفتاح الحياة : ليس مطلوب من المرأة أن تكون مثالية ، أو أن تنجح في كل شيء في الوقت نفسه ، فالحياة الصحية تقوم على التوازن بين العمل والراحة، وبين العطاء والاهتمام بالنفس ، وبين المسؤوليات والاستمتاع باللحظات .
إن منح النفس وقتاً للراحة ، وممارسة الهوايات ، والاهتمام بالعلاقات الإيجابية ، كلها أمور تعيد للإنسان طاقته وتساعده على الاستمرار بعطاء دون استنزاف ، إن العلاقة الصحية هي التي تقوم على الاحترام المتبادل والحوار والتقدير ، والشعور بالأمان ، وهي بيئة تساعد المرأة على النمو لا على فقدان نفسها .
رسالة إلى كل امرأة لا تسمحي لأحد أن يختصر قيمتك في شكلك أو عمرك ، أو مظهرك الخارجي ؛ فأنتِ إنسانة قبل كل شيء ، ولكِ الحق في الصحة ، والاحترام ،والتقدير ،والراحة ، وتحقيق طموحاتك ، اعتني بنفسك لأنكِ تستحقين ذلك ، لا لأن المجتمع يطلب منكِ أن تكوني مثالية ، فكل خطوة تقومين بها للحفاظ على صحتك النفسية والجسدية ، وكل قرار يحفظ كرامتكِ ، وكل عادة إيجابية تزرعينها في حياتك هو استثمار في مستقبلك وجودة حياتك ، عندما تدرك المرأة أن العناية بنفسها ليست أنانية ، بل مسؤولية، فإنها تمنح نفسها فرصة للحياة بثقة وطمأنينة ، فالجمال الحقيقي لا يذبل مع مرور السنوات بل يزداد إشراقاً .
فالأنوثة الحقيقية ليست مفهوماً سطحياً ولا تقاس بمعايير الجمال المتغيرة ، بل هي انعكاس لصحة المرأة ووعيها وأخلاقها واحترامها لذاتها ، وقدرتها على أن تعيش حياة متوازنة .
