كتب : د. مزهر حسن الكعبي ـ العراق
لاريب َ إن َّ التّجديد وليد اعتمالات الحياة ،
وتفاعلاتها ، بيد َ أنّ المسألة الأساس تكمن في ان ّ الحداثة يجب أن تكون في حوار الفكر العربي ّ مع ذاته ، وعلينا أن لانغفل التّاريخ الغائر في البعد لتراثنا العربي ،
وما أفرزته بنى الحياة فيه ، ومن هنا يتوجب علينا الوقوف بتوأدة ،
وتفحّص للتراث هذا ..
أُصولاً، وتاريخاً ، لنستقرئه بمعطياته، وبادواته المعرفيّة ، ومن ثُم َّ ننطلق في ضوء ما تعكسه ُ مِرآة هذا الاستقراء إلى عمليّة التجديد الّتي لا غنًى لها
عن التّأثر ، والتَأثير بتراث الأمم الأخر ، وتجاربها ، قديماً ، وحديثاً..
والّذي حصل أن ّ بعض رؤوس مَن سُمُّوا ب (الحداثيون) نزعوا جلودهم العربيّة دفعة واحدة ليَلبسوا جلود غيرهم حتّى وإن كانت على غير مقاساتهم، فأثاروا الاستغراب .
ومن هنا بدأت ازمتهم الحقيقيّة في إقناع المتلقي بما يطرحون .
وإذا ما تناولنا مايُسمى خَطَأً ب ” قصيدة النّثر “
( لأنّ التّسمية تخالف لفظاً، ومعنًى مصطلح
( الشّعر) ، فلَم يكن ثَمّة فاصل بين مصطلحَي الشّعر ، و النّثر ، وكأنّما
أرادوا ان يجمعوهما بوحدة لم تتوفر لها مقومات التّوحيد مطلقأً..
على اعتبار أن ّ مايسمى ب “قصيدة النّثر ” منحى من مناحي
التّجديد ، فأنا أرى أنّها نوع من انواع التّعبير على الكاتبين فيه ان يُوظفوا نتاجاتهم فيه ، في خدمة لغة التّنزيل الكريم . على وفق معطيات الثوابت في كتابة الشّعر الرصين ، مع مايحملون من أحلام التّجديد ، شكلا ً، ومضموناً ً دون المساس بالمصطلحات إذ ان ّ هذه الحركة مازالت غير واضحة المعالم ، والتّوجهات .. تتخبّط ُ في فوضى على الرّغم من عمليّة التّنظير المستمر لها منذ مطلع 1957 م ، من خلال اغلب كتابات دعاتها في مجلة ( شعر) ، ومجموعات إصداراتهم
المتنوعة الّتي اعتمدوا فيها على كتاب :
(قصيدة النّثر من بودلير
حتّى ايّامنا) للكاتبة الفرنسيّة سوزان برنار
فهذا النوع – على الرّغم من كثرة الكاتبين فيه –
مايزال في ( مخاض) لا
نستطيع التّكهُّن بما يسفر عنه ، وذلك مرهون بحركة التّاريخ ،
وما تفرزه ظروف التّحولات قابلاً ، ومدى تقبّل ذائقة المتلقي العربي لهذا النّوع من الأدب ، وعمق التّأثير الّذي يحدثه في السّاحة الأدبيّة.
وقد يكون للنزر من نصوصه مقبوليّة ، بيدَ ان ّ المصطلح ( قصيدة النّثر ) يبقى مصطلحاً
مخطوءاً .
وإنا استغرب لقبول هذا
المصطلح وتداوله في اروقة الجامعات على الرّغم من أن َّ اساتذتنا ،
في الدّراسات الاوليّة ، و الدّراسات
العليا قد درّسونا ، وبحرص ما يتعارض مع
التّوجّه الجديد .
لقد اصطدم َ بعض دعاة هذا المنهج بجدار اللغة ، فَتَناثروا اشلاء ً ، ولم يُكتب لدعوتهم النّجاح، إذ ان ّ مجلة
(شعر ) لم تستطع الاستمرار ، وتوقّفت عن الصّدور في خريف 1964 م ، وكان لآنسحاب عدد من مناصريها تأثير في تراجع الاستمرار لدعواتهم ، ومنهم بدر شاكر السّياب الّذي طبع
ديوانه ” انشودة المطر “
في مطبعتهم ، ثم ّ انقطع عن حركتهم
لأن ّ هذه الدّعوة شابها
الكثير من الانزلاقات بفعل موثّق لبعض رؤوسهم ، ممن إدّعوا ( الحداثة) وكانوا ميالين إلى الكتابة باللغة
الدّارجة ( العاميّة) , ولا
غرابة ان يصدر العدد الأوّل من مجلة (شعر) ،
وفيه ( قصيدة ! ) بعنوان ( كزبه ) باللهجة العامّيّة اللبنانيّة.. اي ( كذبة )
لميشيل طرّاد ..
وكذا فعل َ يوسف الخال، فكتب ( البداية الثّانية ) وهو فعل يلتقي مع آراء ( وليام ولكوكس ) من الفرنسيين، و ( ديلمور ) احد قضاة مصر الّذي أغرى المصريين بهجر اللغة الفصيحة، وآتخاذ العاميّة أداة للتعبير ، والكتابة بنحو عدائي للغة الفصحى .
وكان عدد من هؤلاء يلهثون وراء دعوات مسعورة لآستبدال الحروف اللاتيتيّة بالحروف العربيّة..!
وهي دعوات لها جذورها
منذ صدور كتاب ( عبد العزيز فهمي ) بعنوان :
( الحروف اللاتيتيّة للرّسم العربي)، وظهور
دعاة آخرين كسلامه موسى ، ورشدي المعلوف ، وسعيد عقل،
وانيس فريحه ..
هذا جانب
فضلاً على ماتنطوي عليه كتابات رعيل من كتّاب مايسمى ب( قصيدة النثر) من أخطاء في شتى أفرع العربيّة، وما تميّزت به من أفق ٍ مغترب ( قصداً) ، مبتعدة عن آفاق أكثر صلاحيّة ً ، وخصوبة للتّحليق فيها..
والّذي يراه كلّ ذي بصيرة ان ّ هذا الأفق المفتوح يحمل عوامل خطر على اللغة العربيّة
بآعتبارها أداة التّعبير ، ووعاء الفكر ، والتّراث ،
وإذا ما كانت هناك نماذج جيدة تستحق القراءة ( وهي نادرة )
فقد تحولت الكتابات في مايسمى ( قصيدة النثر ) إلى شكل نمطي ،
وكتابات باهتة هابطة تتسم بفوضى النّشر بلا
مضمون سامق ، ولا شكل مقبول .. في منأى عن الوحدة العضوية وبنمط بعيد عن الإيقاع
الخارجي والداخلي،
مذيّلة، أو مصدرة .. ب
الشّاعر .. (فلان) !
فحفاظاً على سلامة لغة القرآن الكريم أتوجه بطلب الي وزارة الثّقافة بضرورة العودة إلى ضوابط النشر السّابقة بعدم السّماح بطبع أي ّ إصدار
شعري، أو نثري إلّا بعد حصوله على موافقة. من لجان اكاديميّة متخصصة مرتبطة بالوزارة .. لا ان تبقى أرقام الإيداع سائبة ، للحد ّ من الفوضى في المشهد الثّقافي عامة..
وآمل ان يعمد الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق إلى اتخاذ مايراه مناسبا ً …
والله المستعان.
جريدة الاضواء الالكترونية
