كتب : فارس آل سلمان
رئيس الهيئة الادارية لمنتدى بغداد الاقتصادي
تمثل حزمة المشاريع العراقية التي اقترحتها واشنطن على بغداد نقلة نوعية في استراتيجية العراق لتنويع منافذ التصدير وتعزيز أمن الطاقة الوطني. غير أن التجارب التاريخية المريرة التي خاضها العراق في استثماراته الخارجية تفرض وقفة تأملية معمقة، تتجاوز الجدل حول الجدوى الاقتصادية للمشروع إلى جوهر أكثر إلحاحاً:
كيف يمكن للعراق أن يحمي ماله العام وهو يستثمر في أصول تقع تحت سيادة دول أخرى؟
تطرح الولايات المتحدة اليوم حزمة مشاريع منها انبوب نفط حديثة – بانياس، انبوب نفط حديثة – العقبة، مشروع مصفى تكرير في الاردن، مشروع بتروكيماويات في مصر ومشروع مع تركيا وغيرها من المشاريع.
تواجه الدولة العراقية تحدياً بنيوياً يتمثل في الضغوط الخارجية لتمويل المشروع بالكامل، بما في ذلك الجزء الواقع داخل الأراضي الأردنية، والسورية والمصرية والتركية في غياب ضمانات قانونية وسيادية كافية. وهذا الوضع يستدعي إعادة النظر في الإطار المؤسسي والقانوني للمشاريع، خاصة في ظل وجود سوابق تاريخية مؤلمة تمثلت في خسائر فادحة تكبدها العراق نتيجة استثمارات استراتيجية خارج حدوده، كتأميم سوريا خط أنابيب حديثة – بانياس – طرابلس، ومصفى العراق في الصومال، وخط الرميلة – المعجز عبر الأراضي السعودية.
غير أن المخاطر التي تهدد هذه الاستثمارات لا تقتصر على ما هو معروف، بل تتسع لتشمل بُعدين إضافيين بالغي الأهمية:
الأول يتعلق بآلية احتساب رسوم المرور وتحديد الجهة المسؤولة عنها.
والثاني والأخطر يتمثل في خطر تحول هذه المشاريع إلى أدوات ضغط سياسي مستقبلية تُستخدم ضد العراق، تماماً كما جرى في تجربة أنبوب كركوك – جيهان حين أوقفت تركيا تدفق النفط لسنوات وأعادت التفاوض على الاتفاقيات وفقاً لمصالحها الأحادية.
وبناءً على ذلك، تتعدد المخاطر التي تهدد الاستثمار العراقي في هذه المشاريع، ويمكن تصنيفها إلى سبع مجموعات رئيسية:
1- المخاطر السيادية وتتمثل في احتمالية اتخاذ قرارات حكومية مستقبلية تؤثر في ملكية المشروع أو تشغيله.
2- المخاطر القانونية وتتعلق بضعف آليات تنفيذ الأحكام الدولية أو غياب ضمانات التحكيم الملزم.
3- المخاطر الاستثمارية وتنبع من تمويل العراق لأصول تقع تحت سيادة دولة أخرى دون ضمانات كافية لاسترداد الاستثمار.
4- المخاطر التشغيلية التي قد تؤدي إلى تعطل تدفق النفط نتيجة قرارات إدارية أو سياسية أو أمنية.
5- المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بتغير البيئة الإقليمية وإعادة تقييم الاتفاقيات طويلة الأجل.
6- مخاطر رسوم المرور:
وتتمثل في غياب آلية واضحة ومستقرة وملزمة لتحديد رسوم العبور، مما قد يعرض العراق لتكاليف غير متوقعة ونزاعات متكررة، كما حدث في قضية التحكيم مع تركيا عندما قضت المحكمة بدفع تعويضات عن رسوم غير مدفوعة.
7- مخاطر التحول إلى أداة ضغط:
وتنبع من إمكانية استغلال دول العبور لسيطرتها على الأصول الواقعة ضمن أراضيها لتعطيل التدفق أو إعادة التفاوض على الشروط بما يضر بالمصالح العراقية، وهو سيناريو أثبتت التجارب السابقة أنه ليس افتراضياً بل واقع ملموس.
المبادئ الحاكمة للسياسة المقترحة:
1- جعل حماية المال العام أولوية على سرعة التنفيذ.
2- توزيع المخاطر بين جميع الأطراف.
3- عدم تحمل العراق منفرداً كلفة إنشاء أصول تقع خارج سيادته.
4- وتحويل المشروع إلى استثمار دولي محمي بدلاً من كونه مشروعاً ثنائياً تقليدياً.
5- ربط مصالح جميع الأطراف باستمرار تشغيل المشروع، بحيث يصبح التعطيل مكلفاً للجميع.
6- تبني شعار لا استثمار سيادي عراقي خارج الحدود بلا ضمانة مقابلة قابلة للتنفيذ.
7- إدراج مبدأ “تكلفة الخروج”:
بحيث يُصبح أي تعطيل أو إخلال بالاتفاقية مكلفاً سياسياً واقتصادياً وقانونياً على الطرف المتسبب، مما يردع الدول عن استخدام المشروع كورقة ضغط.
الإطار المؤسسي والقانوني المقترح:
يتطلب المشروع منظومة متكاملة من الضمانات تتوزع على عدة مستويات:
1- هيكل التمويل، حيث يقترح ألا يقوم العراق بتمويل الجزء في سوريا او الاردن او مصر او تركيا بالكامل، بل اعتماد هيكل تمويلي تشارك فيه حكومات تلك الدول ومؤسسات التمويل الدولية والمستثمرون الاستراتيجيون.
2- هيكل الملكية، من خلال إنشاء شركة مشروع ذات غرض خاص مسجلة في ولاية قضائية محايدة، تتولى ملكية الأصول وتشغيلها.
3- الحماية القانونية، وتشمل معاهدة استثمار ثنائية، وتحكيم دولي إلزامي، وحماية بموجب اتفاقيات الاستثمار الدولية، والاعتراف بالأحكام وتنفيذها خارج الإقليم.
4- الحماية المالية، وتتمثل في التأمين ضد المخاطر السياسية، وضمان سيادي غير مشروط، وحساب ضمان Escrow، وسندات سيادية ضامنة، وآليات استرداد تلقائي للتعويضات.
5- الحماية التشغيلية، وتشمل امتيازاً طويل الأمد لحرم الأنبوب، وحق تشغيل وصيانة حصري، ومنطقة نفطية متخصصة في العقبة و بانياس و طرابلس، ومنشآت تحميل وخزن مملوكة لشركة المشروع.
6- آلية محددة وملزمة لرسوم المرور، تُحدد فيها نسبة ثابتة أو معادلة شفافة للتكاليف، مع ربطها بمؤشرات اقتصادية عالمية، وتُدرج ضمن نطاق التحكيم الإلزامي لحسم أي نزاع حولها بشكل فوري، لتجنب التراكمات التي شهدتها تجارب سابقة.
7- شرط جزائي رادع ضد التعطيل، ينص على تعويض يومي إلزامي عن أي توقف للصادرات، ويُعتبر هذا التعويض ديناً سيادياً ممتازاً على الدولة المتسببة، مع إمكانية التنفيذ المباشر لأحكام التحكيم على أصولها التجارية خارج إقليمها.
الشروط التفاوضية الأساسية:
ترى هذه الورقة ضرورة ألا يوافق العراق على التنفيذ ما لم تتوافر مجموعة من الشروط الحاسمة:
1- ضمان سيادي من الدولة التي سينشا فيها المشروع غير قابل للإلغاء.
2- تحكيم دولي ملزم يشمل كافة النزاعات بما فيها رسوم المرور وحالات التعطيل.
3- تعويض تلقائي عند المصادرة أو التعطيل
4- حماية دولية للاستثمار
5- مشاركة في التمويل، وتقاسم المخاطر بين جميع الأطراف.
6- تحديد سقف زمني وأسعار ثابتة لرسوم المرور أو آلية تعديل شفافة، بحيث لا تخضع لتقدير الدولة المضيفة.
7- – إدراج بند يحظر صراحة استخدام المشروع أو تهديد بتعطيله كوسيلة للضغط السياسي، مع اعتبار أي مخالفة لذلك خرقاً جسيماً للاتفاقية يستوجب التعويض الفوري.
الضمانات القانونية المتقدمة:
ينبغي أن تتضمن الاتفاقية أحكاماً متقدمة تنص على حظر التأميم أو المصادرة أو التعطيل أو فرض قيود تؤثر في تشغيل المشروع، والتعويض الفوري بالقيمة الاستبدالية الكاملة مضافاً إليها الأرباح المستقبلية، وتعويضاً يومياً عن أي توقف للصادرات، واعتبار التعويض ديناً سيادياً ممتازاً، مع إمكانية التنفيذ المباشر لأحكام التحكيم على الأصول التجارية للطرف المخل خارج إقليمه وفقاً للقانون الدولي.
كما ينبغي النص صراحة على أن أي محاولة لإعادة التفاوض على رسوم المرور أو شروط التشغيل بطريقة منفردة تعتبر إخلالاً جسيماً يفسح المجال أمام العراق لتفعيل كافة آليات الحماية التعاقدية.
الآثار الاقتصادية المتوقعة:
يسهم اعتماد هذا الإطار في حماية المال العام العراقي، وتخفيض المخاطر السيادية، وتحسين قابلية المشروع للتمويل الدولي، ورفع التصنيف الائتماني للمشروع، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتقليل احتمالات النزاعات المستقبلية، وضمان تدفق إيرادات مستقرة ومستمرة من رسوم المرور، ومنع تحول البنى التحتية إلى أدوات ابتزاز سياسي.
خلاصة وتوصيات:
توصي هذه الورقة بعدم إبرام أي اتفاق نهائي قبل استكمال منظومة الضمانات القانونية والمالية والسيادية المذكورة أعلاه، مع التركيز بشكل خاص على ضمان:
1- آلية واضحة وملزمة لرسوم المرور.
2- شرط جزائي رادع ضد أي تعطيل أو إخلال.
3- تحويل الدعم السياسي الأمريكي إلى التزامات مالية وقانونية.
كما ينبغي أن يكون معيار اتخاذ القرار هو جودة هيكل الحماية المؤسسية، وليس سرعة التنفيذ أو الاعتبارات السياسية الآنية.
إن نجاح حزمة المشاريع النفطية خارج العراق لن يقاس فقط بوصول النفط إلى سواحل البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر، بل بقدرة العراق على استعادة كامل حقوقه القانونية والاقتصادية في جميع السيناريوهات المحتملة، وبناء نموذج استثماري يحقق التوازن بين السيادة الوطنية والانفتاح الاقتصادي، ويحفظ المال العام للأجيال القادمة.
فالدولة الحكيمة هي التي تتعلم من دروس الماضي، وتصون مستقبلها بتخطيط قانوني ومؤسسي رصين، قبل أن تخطو خطواتها التنموية الكبرى، وألا تتحول استثماراتها إلى نقطة ضعف تُستغل ضدها، و انما إلى رافعة قوة تُعزز مكانتها الإقليمية.
استثمار الدور الأمريكي من المبادرة إلى الضمانة الفعلية:
بما أن المشاريع مقترحة من قبل واشنطن، يجب تحويل هذا الاقتراح السياسي إلى التزامات قانونية ومالية تحمي العراق من تقلبات السيادة في تلك الدول، وتحد من إمكانية تحولها إلى أوراق ضغط مستقبلية.
تغطية المخاطر غير التجارية:
يمكن للعراق أن يشترط على الولايات المتحدة تقديم خطاب ضمان عبر المؤسسات المالية الرسمية (مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية ) بحيث تتحمل واشنطن جزءًا من خسائر العراق في حالات المصادرة أو التعطيل الناتج عن تغيير في النظام السياسي لدول العبور. هذا يمثل دعمًا جوهريًا يتجاوز الدعم الدبلوماسي، ويجعل واشنطن شريكاً في استمرارية المشروع.
الضغط لضمان التحكيم الدولي:
نظرًا للثقل السياسي لواشنطن، يمكنها لعب دور الوسيط لضمان توقيع دول العبور على اتفاقيات تحكيم دولي ملزمة، مع حزمة عقوبات اقتصادية تلوح بها واشنطن في حال الإخلال بالاتفاقيات، لضمان عدم إقدام تلك الدول على خطوات أحادية قد تضر بحقوق العراق.
نموذج الشراكة الثلاثية:
بدلاً من أن يكون المشروع ثنائيًا بين العراق ودول الجوار، يمكن إضفاء صبغة دولية عليه من خلال إشراك شركات نفط أمريكية كشركاء تنفيذيين أو مشغلين فضلا عن مؤسسات مالية دولية كممول او مستثمر. وجود شركات عالمية بهذا الحجم، والتي تمثل مصالح اقتصادية لكيانات ذات نفوذ في واشنطن والعالم، يعتبر ضمانة إضافية تجعل تعطيل المشروع مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا على المستوى الدولي، وترفع من تكلفة أي محاولة لاستخدامه كورقة ضغط.
إن اعتماد هذه الآليات لا يحمي الاستثمار العراقي فحسب، بل يعيد صياغة العلاقات الإقليمية من حالة التبعية إلى حالة المصالح المشتركة المحمية بقوة دبلوماسية واقتصادية عالمية.
جريدة الاضواء الالكترونية
