الرئيسية / تقارير ومقابلات / حوارات مع المبدعين الكاتب والروائي فؤاد الجشي/ المملكة العربية السعودية

حوارات مع المبدعين الكاتب والروائي فؤاد الجشي/ المملكة العربية السعودية

حاوره/ كمال الحجامي 

الكتابة بحثٌ عن الإنسان في متاهة الوعي والمعنى
في المشهد الثقافي السعودي والعربي يبرز الكاتب والروائي فؤاد الجشي بوصفه صوتًا أدبيًا يميل إلى مساءلة الإنسان أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. فالكتابة لديه ليست مجرد حكاية أو حدث سردي، بل محاولة دائمة للنفاذ إلى أعماق الوعي، واستكشاف العلاقة الملتبسة بين الذات والعالم، وبين الوجود والمعنى. ومن هنا تميل مقالاته الفكرية وقراءاته النقدية ونصوصه السردية إلى ملامسة الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان، حيث تتحول الرواية والقصة والمقال إلى فضاءات للتأمل في الكينونة والحرية والهوية والذاكرة.
أصدر الجشي رواية «ابن العوام» التي تناولت الصراع الإنساني والنفسي في إطار اجتماعي، كما أصدر المجموعة القصصية «عندما تغني الروح» التي احتفت بالعالم الداخلي للإنسان ولحظاته الوجدانية. وإلى جانب تجربته الإبداعية، يواصل نشر مقالاته الفكرية والفلسفية وقراءاته النقدية في عدد من الصحف والمنصات الثقافية السعودية والعربية، واضعًا القارئ أمام أسئلة تتجاوز حدود النص إلى أسئلة الحياة نفسها.
في هذا الحوار نحاول الاقتراب من رؤيته للكتابة، ومن تصوره للأدب بوصفه فعلًا معرفيًا وجماليًا، ومن مشروعه الثقافي الذي يواصل التشكل عبر القراءة والتأمل والكتابة.

١. تبدو كتاباتك مشغولة بأسئلة الوعي والذات والكينونة أكثر من انشغالها بالحكاية التقليدية. متى أدركت أن هذا المسار هو الأقرب إلى رؤيتك للكتابة، وما الذي تبحث عنه في هذه الرحلة الفكرية؟
أعتقد أنني لم أختر هذا المسار بقرار مسبق، بل وجدت نفسي أنجذب إليه كلما اتسعت قراءاتي وتجاربي. فالإنسان بالنسبة إليّ هو السؤال الأكثر تعقيدًا وإثارة: كيف يتشكل وعيه؟ وكيف يرى نفسه والعالم؟ وهل نحن الذين نصنع اختياراتنا، أم أن ثمة مؤثرات خفية تسبق وعينا بها؟ هذه الأسئلة أخذت تتسلل تدريجيًا إلى كتاباتي وقراءاتي.
أنا لا أبحث عن إجابات نهائية؛ لأنني أظن أن الأدب الذي يقدم أجوبة مكتملة يفقد شيئًا من سحره. ما يعنيني هو أن تفتح الكتابة نافذة جديدة للسؤال، وأن تجعلني، وتجعل القارئ معي، نرى الإنسان من زاوية لم ننتبه إليها من قبل. الكتابة عندي، بهذا المعنى، محاولة مستمرة لفهم الذات وهي تبحث عن موقعها في هذا الوجود.
١. تنتمي أعمالك إلى مساحة يلتقي فيها الأدب بالفلسفة وعلم النفس والاجتماع. هل ترى أن هذا التداخل يمنح النص الأدبي عمقًا أكبر، أم أنه يفرض تحديات جديدة أمام القارئ؟
الأدب في جوهره لا يعيش منعزلًا عن بقية حقول المعرفة. الرواية تتحدث عن الإنسان، والإنسان كائن نفسي واجتماعي وفلسفي في الوقت نفسه. لذلك أجد من الطبيعي أن تتقاطع الكتابة الأدبية مع الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتاريخ.
لكنني أؤمن أيضًا بأن الرواية ليست كتابًا في الفلسفة، والقصة ليست محاضرة فكرية. على الكاتب أن يجعل الفكرة تنبض داخل الشخصية والحدث والصراع، لا أن يضعها فوق النص. التحدي الحقيقي هو أن يصل العمق إلى القارئ من خلال الأدب نفسه، بحيث يشعر بالفكرة قبل أن يجد نفسه مضطرًا إلى تفسيرها.
١. إلى أي مدى استطاعت أعمالك الأدبية والفكرية أن تجد صداها لدى القراء والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي؟ وكيف تقرأ علاقة النص العميق بالمتلقي في زمن القراءة السريعة؟
لا أعتقد أن قيمة الكتابة يمكن قياسها بعدد القراء وحده. أحيانًا يكفي الكاتب أن يشعر بأن نصًا كتبه جعل قارئًا واحدًا يتوقف ويفكر أو يعيد النظر في فكرة كان يعتقد أنها محسومة.
نعيش بلا شك زمنًا سريعًا، وأصبحت المنافسة على انتباه الإنسان شديدة، لكنني لا أعتقد أن القارئ العميق قد اختفى. ما زال هناك من يبحث عن النص الذي يوقظ فيه سؤالًا أو يلامس تجربة إنسانية عاشها ولم يستطع التعبير عنها. مهمة الكاتب ليست أن يلاحق سرعة العصر دائمًا، وإنما أن يحافظ على صدق تجربته، وأن يكتب ما يعتقد أنه جدير بالبقاء بعد أن تنتهي ضوضاء اللحظة.
١. كثيرًا ما تستحضر في مقالاتك الأسطورة والرمز والموروث الثقافي. كيف تنظر إلى العلاقة بين الأسطورة والحكاية الشعبية؟ وأين يلتقيان وأين يفترقان داخل البناء الأدبي؟
الأسطورة والحكاية الشعبية تنبعان من حاجة الإنسان القديمة إلى تفسير العالم والتعبير عن مخاوفه وأحلامه. لكن الأسطورة تتجاوز في كثير من الأحيان حدود الحكاية؛ فهي تحمل رموزًا وأسئلة كبرى تتصل بالخلق والموت والمصير والخير والشر وعلاقة الإنسان بالمجهول، بينما ترتبط الحكاية الشعبية أكثر بذاكرة الجماعة وتجاربها وقيمها اليومية.
ما يهمني أدبيًا ليس الفصل النظري بينهما بقدر ما يعنيني ما تختزنه كل واحدة منهما من طاقة رمزية. فالكاتب يستطيع أن يستعيد الأسطورة أو الحكاية القديمة، لا ليكررها، بل ليجعلها تتحدث عن إنسان اليوم وأسئلته ومخاوفه.
٥. شخصياتك تبدو أقرب إلى الإنسان بوصفه حالة وجودية منها إلى كونها شخصيات روائية تقليدية. كيف تولد هذه الشخصيات؟ وهل تبدأ من الواقع، أم من سؤال فلسفي، أم من تجربة داخلية؟
الشخصية عندي قد تبدأ من مشهد صغير جدا شخص رأيته، جملة سمعتها، موقف عابر، أو حتى سؤال ظل يلاحقني. ثم تبدأ المخيلة في بناء عالم كامل حول هذه البذرة.
لا أنقل الشخصيات من الواقع كما هي؛ فالواقع يمنح الكاتب المادة الأولى، لكن الخيال يعيد تشكيلها. ما يعنيني هو المنطقة الداخلية للشخصية، خوفها، ترددها، رغباتها، تناقضاتها، وما تخفيه عن الآخرين وربما عن نفسها. الإنسان لا يقول دائمًا ما يفكر فيه، ولا يفهم دائمًا الأسباب الحقيقية لأفعاله، وهنا تحديدًا تبدأ بالنسبة إليّ متعة الكتابة.
١. النقد الأدبي يمثل أحد أهم عناصر تطور الإبداع، لكن هناك من يرى أن العلاقات الشخصية والمجاملات تؤثر أحيانًا في المشهد النقدي. كيف تنظر إلى هذه الإشكالية؟ وما الذي يحتاجه النقد العربي ليستعيد استقلاليته وفاعليته؟
النقد ضرورة لأي حركة أدبية جادة، لأنه لا يكتفي بالاحتفاء بالنص، وإنما يكشف بنيته وجمالياته ونقاط ضعفه أيضًا. المشكلة تبدأ عندما تتحول القراءة النقدية إلى مجاملة أو تصفية حساب أو علاقة شخصية؛ عندها يفقد النقد وظيفته المعرفية.
أعتقد أن الناقد الحقيقي ينبغي أن يقف أمام النص لا أمام اسم صاحبه. كما أن الكاتب نفسه يحتاج إلى قدر من الشجاعة لتقبّل النقد المختلف، شريطة أن يكون نقدًا معرفيًا يستند إلى أدوات واضحة. نحن بحاجة إلى ثقافة تفصل بين نقد العمل والحكم على صاحبه؛ فالنقد النزيه قد يكون أحيانًا أهم هدية يتلقاها الكاتب.
١. روايتك «ابن العوام» أثارت اهتمام عدد من القراء. إلى أي حد تستند أحداثها إلى الواقع، وإلى أي حد تنتمي إلى الخيال الإبداعي؟ وما الفكرة المركزية التي كنت تسعى إلى إيصالها من خلالها؟
«ابن العوام» ليست نقلًا حرفيًا لواقعة بعينها، وليست أيضًا خيالًا منفصلًا تمامًا عن الواقع. مثل كثير من الأعمال الروائية، تتحرك في المنطقة التي يلتقي فيها ما نراه ونعيشه بما تصنعه المخيلة.
كان ما يعنيني فيها هو الإنسان داخل صراعاته النفسية والاجتماعية، وكيف يمكن للظروف والعلاقات والاختيارات أن تعيد تشكيل مصيره. الرواية بالنسبة إليّ ليست وثيقة عن الواقع، وإنما إعادة تخيّل له؛ نأخذ منه بذرة، ثم نمنحها في الكتابة حياة أخرى ربما تكشف ما لا يستطيع الواقع نفسه أن يقوله.
١. عُرف عنك شغفك بالقراءة النقدية للروايات العربية والعالمية، إلى جانب مقالاتك الفكرية. كيف أثرت هذه القراءات في تشكيل مشروعك الأدبي، وما الذي تعلمته منها ككاتب قبل أن تكون قارئًا؟
القراءة بالنسبة إليّ ليست نشاطًا موازيًا للكتابة، بل هي جزء من تكوين الكاتب نفسه. كل كتاب جيد يوسع المساحة التي ننظر منها إلى العالم. وعندما أقرأ رواية لا أبحث فقط عن الحكاية، وإنما أتأمل كيف بُنيت الشخصيات، وكيف تحرك الزمن، وكيف استخدمت اللغة، وما الذي بقي في داخلي بعد الصفحة الأخيرة.
أما القراءة النقدية فقد علمتني أن أعود إلى نصوصي بعين مختلفة، وأن أسأل نفسي باستمرار: لماذا كتبت هذا المشهد؟ وهل يحتاجه النص فعلًا؟ وهل الشخصية تتصرف من داخل منطقها أم من رغبة الكاتب؟ القراءة الجادة تجعل الكاتب أقل اطمئنانًا إلى ما يكتب، وأرى في هذا القلق جانبًا صحيًا من العملية الإبداعية.
١. كيف ترى المشهد الثقافي والأدبي السعودي اليوم؟ وهل تعتقد أن الرواية السعودية استطاعت أن تؤسس حضورًا عربيًا يوازي الحراك الإبداعي الذي تشهده المملكة؟
المشهد الثقافي السعودي يعيش مرحلة لافتة من الحراك والتنوع، وهناك أصوات روائية وقصصية وشعرية استطاعت أن تتجاوز الإطار المحلي وتصل إلى القارئ العربي. كما أن اتساع مجالات النشر والفعاليات الثقافية أتاح فرصًا أكبر للكاتب وللقارئ معًا.
لكن الحضور الحقيقي لأي أدب لا تصنعه كثرة الإصدارات وحدها، وإنما نوعية الأعمال وقدرتها على تقديم تجربة إنسانية تتجاوز حدود المكان. المحلية الصادقة لا تتعارض مع العالمية؛ فقد يكتب الروائي عن قرية صغيرة جدًا، لكنه حين يصل إلى جوهر الإنسان يستطيع أن يجعل قارئًا في مكان بعيد يرى نفسه داخل تلك القرية.
١. أخيرًا، ما المشاريع التي تعمل عليها حاليًا؟ وهل ينتظر القراء رواية جديدة، أم كتابًا فكريًا، أم مشروعًا مختلفًا يحمل امتدادًا لأسئلتك حول الإنسان والوعي والوجود؟
الكتابة بالنسبة إليّ مشروع مفتوح، وما زلت أعمل على نصوص ومشاريع أدبية تحتاج إلى الكثير من المراجعة والتأمل قبل أن ترى النور. لا أتعجل إصدار عمل لمجرد الحضور؛ فالكتاب الذي يحمل اسم صاحبه ينبغي أن يأخذ حقه من النضج وإعادة النظر.
لديَّ مشروع رواية جديدة، من المقرر أن تصدر قبل نهاية هذا العام، تحمل أبعادًا تاريخية واجتماعية، وتسعى إلى تقديم تجربة إنسانية تستحضر الماضي لا بوصفه زمنًا منقضيًا، بل فضاءً تتقاطع فيه مصائر الإنسان مع تحولات المجتمع، وتنكشف من خلاله أسئلته وصراعاته وعلاقته بالمكان والذاكرة.
امتناني وتقديريي شكرا لكم .

شاهد أيضاً

حوارات مع المبدعين..  الروائي السعودي أحمد عبدالعزيز السماري

حاوره: كمال الحجامي يُعد الروائي السعودي أحمد عبدالعزيز السماري من الأسماء البارزة في المشهد السردي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *